‫الرئيسية‬ مقالات فردانية المعنى كأحد مرتكزات انتفاء إمكان الدولة الدينية (2)
مقالات - 29 أغسطس 2020

فردانية المعنى كأحد مرتكزات انتفاء إمكان الدولة الدينية (2)

علي التلوبي

أشرنا في الجزء الأول https://www.medameek.com/?p=15111  من هذا المقال إلى أنَّ هدفنا هو تفنيد إمكان الدولة الدينية، وذلك لأنَّ الدولة الدينية تتطلب فهماً جمعياً للنص المقدس ليمكن تحقيقها، وهو ما دحضنا إمكانه بناءً على أنَّ تفسير النص يتخذ هيئات فردانية. بل ونذهب إلى أبعد من ذلك بأنَّ تفسير النص وفهمه ليس فردانياً فحسب، بل هو متغيرٌ داخل الفرد نفسه، عبر تاريخه وخلال أحواله النفسية، وذلك أنَّ الفرد نفسه غير ثابت، كما أنَّ البيئة المحيطة بالفرد هي متغيرةٌ أيضاً. فالفرد لا يمكن أن يعبر نفس النهر مرتين، فلدى لحظة العبور الثانية فإنَّ الفرد ليس هو نفس الفرد، كما وأنَّ النهر ليس هو نفسه ذاك النهر.

والآن نضيف إلى مُعضِّدات فردانية النص مفهوم الحلقة الهرمنيوطيقية، وهي ذلك “الصراع الجدلي بين المرامي الكُلِّية للنص وبين معاني جزيئياته.” [i]  أي إنَّها ذلك الرهق السرمدي “الذي يتخلَّق فيه المعنى الكُلي للنص عبر فهم جزيئياته، بينما، وفي نفس الوقت، فإنَّ المعنى الكلي هو الذي يقود إلى تحديد فهم جزيئياته.”[ii]  ومن هنا فإنَّ فهم النص هو عمليةٌ متغيرةٌ ومعقدة، لأنَّ الفهم الكلي وفهم الجزيئيات لا يحدثان في آنٍ واحدٍ معاً، مما يؤدي إلى إضافة طبقة أخرى من الصعوبة والتباين في فهم النص وتفسير مراميه بين كل فرد إنساني وآخر.

ونضيف إلى ذلك أنَّه في حالة عالمية الرسالة المقدسة، فإنَّ الترجمة إلى لغات أخرى تؤدي إلى صنع أخاديد إضافية بين المعاني للناطقين بغير لغة النص الأصلية. وهذا الأخير ليس حصراً على النص المقدس، ولكنَّه أقرب لعموم الحال به، كما وأنَّ النص المقدس له خصوصيةٌ نابعةٌ من خيال المؤمِن بحتم تحقيقه والمتَطلب تخيله، كما بأحوال ما بعد الموت، مما يباعد ما بين المعنى الأصل وبين تفسير المتلقي.

أيضاً ليس من السهل تقريب الفهم بين فردين اثنين، وذلك لصعوبة إقناع الفرد الآخر بتفسير الفرد الأول نتيجة لما يُعرف بالتعصب المعرفي أو الانحياز المعرفي، وذلك أنَّ الفرد الإنساني يسهل عليه سماع وقراءة ما يدعم موقفه المسبق، بينما يصعب عليه الإنصات إلى أو قراءة أي رأي مضاد، حتى ولو كان ذلك الرأي أصوب وأكثر منطقية. فالانحياز المعرفي يؤدي إلى تضخيم ماهية الفرد، في ذهنه، للنقاط المعضِّدة لموقفه المسبق ولأفكاره التي تشرب عليها منذ نعومة الأظافر، كما يؤدي الانحياز المعرفي إلى شبه تجاهل لكل نقطة مضادة أو رأي مغاير. ونضيف إلى ذلك متناقضة اللوح الفارغ، وأعني بها أنَّ فهم النص نفسه مستحيلٌ دون معارف سابقة [iii]. وهي معارف متباينة بين فرد وآخر، كما أشرنا إلى ذلك من قبل، مما يؤدي إلى توسيع بون فردانية التفسير والفهم بين الأفراد.

… يتبع

—————————————

[i] Myers, M. D. (2013). Qualitative research in business and management: Sage.

[ii] Gadamer, H.-G. (1976). The historicity of understanding. In (pp. 117-133): Penguin Books Ltd, Harmondsworth, UK.

[iii] Myers, M. D. (2013). Qualitative research in business and management: Sage.

2+

7 تعليقات

  1. الدكتور علي التلوبي
    كتابة موضوعية رصينة ناقشت تفسير النص المقدس تضرب الاعمدة الفكرية للفكرة التي لها كالتنين القاتل الف راس من الجهل والتعصب والي كانت وما تزال تجرنا الي فقه العصور الوسطي قبل التنوير والعقلانية التي افرزت مفهوم دولة العقد الاجتماعي دولة المواطنه والحقوق والواجبات
    المدهش في المقال لم يترك اي مسوغ فكري او جدلي لاصحاب الفكرة الدينية للمغالطة او الابتزاز …اذ لم يتخذ المقال اي موقف نقدي من الفكرة الدينية السلفية الا منطقية حد ذاتها انما تناول ادوات التوصل لها بالتفسيرات الخاطئة اذ لا يمكن منطقيا وعلميا الاتفاق علي تفسير النصوص المقدسة بقالب يوحد الفكرة ويدعمها مما ينسف اساس التوصل للفكرة في جوهرها … لا اجد ان اهل الفكرة الثيوقراطية لديهم اي سلاح او منطق ليقفوا في وجه طرحك العلمي الممنهج
    متعنا الله بابداعاتك واشراقات الفكر ووميض الفكر الثاقب فيما تطرحه
    لك مني احترام مقرون باعجاب علي ما سطرت

    1+
    1. أشكرك أستاذنا العزيز منتصر عبد الماجد لمرور قلمك البازخ.
      ولا بد فعلا من مساهمتنا جميعا في التنوير للمنطقة لنصل إلى دولة المواطنة والحقوق والواجبات كما تفضلت.
      وكلنا شمعات مساهمة في نشر التنوير عبر كافة أدوات توصيل الوعي بما في ذلك عبر صحيفة مداميك.

      1+
  2. اجمل ما فى المقالين انهما افادا ان ما بداخل ( الغرفة المصمتة ) يظل فقط موضوعا للتخمين ، وان لا احد يستطيع اجبار الاخر على الاقتناع بتخمينه، الا اذا توافق الناس على كسر الجدار والولوج الى داخل الغرفة لمعرفه كنه ما بداخلها…..
    ولكن تظل المشكلة ان( بعض الاخرين ) يعتقدون فى قدسية الغرفة نفسها وبالتالى يرفضون المساس لا فقط كسر جدارها ….. فيظل التخمين هو كل المتاح !!! فكيف نقنع ( بعض الاخرين ) اما بكسر جدار الغرفة ، او عدم الزامية الاخرين بتخمينهم …. هل يتم ذلك بالقانون ام بتجذير الوعى بحدود فاعلية ( المختلف حوله) هذا ما نتوقع مطالعته فى مقبل الحلقات ….

    1+
    1. تحياتي باشمهندس يوسف مصطفى على المرور البهي والتعليقات الوضيئة.
      يصعب فعلا كسر ذلك النوع من الغرف المصمتة، وفي تقديري أن الممكن هو محاولة التناضح التي تجعل التواصل ممكننا عبر تلك الأغشية العازلة. وهي أغشية في ظني تزداد مساماتها اتساعا كلما زادت رقعة وكم السطوح البينية.
      وفي تقديري أن للبوح حدود للممكن لو تم تجاوزها لقلت مسامية تلك الأغشية.
      ليس في نيتي ببقية المقال تقديم أكثر من وظيفة توصيفية وغالبا لن ترتقي إلى حد تقديم مقترحات عملية.
      وهي مجرد محاولة متواضعة لتمليك النخبة بضع أدوات نظرية ليمكنهم ترجتمها إلى لغة أبسط تخاطب إنسان الشارع ومن ثم الإضافة التراكمية إليها للمساهمة في ذلك التناضح بالاتجاه المطلوب.

      1+
  3. كلام سلام مئة بالمئة و إن كان بإيجاز نوعاً ما مُخِل

    وددت لو أن تبحر بإسهاب أكثر في تغير المعني عند الترجمة و اللغات و المسافة الفاصلة لفهم النص عند قراءته مكتوباً او الإستماع له تلاوة /قراءة …..

    و دهاليز الإستيعاب المختلفة ما بين ما هو مسموع و مشاهد …

    أتفق تماماً مع ما ذهبت اليه

    كل الود

    1+
    1. الصديق الجميل معمر،
      تحايا وأشواق مقرونة بالتقدير.
      لا شك أنه موجز ربما لكي يليق بمقال يمكن قراءته دون تطويل.
      وربما يمكن أن يصير مشروعا لجزء من كتاب بإذن الزمن.
      أتمنى أن تدخل بنا أنت في تلك المسارب العميقة التي عادة ما تمتعنا بها ما بين المسموع والمشاهد.
      ودي واحترامي

      1+

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *