‫الرئيسية‬ ثقافة حوار مع الدكتور محمد عبدالرحمن حسن (1-2)
ثقافة - 17 أكتوبر 2020

حوار مع الدكتور محمد عبدالرحمن حسن (1-2)

أجراه – المغيرة حربية، ميسون عبد الحميد، حاتم إلياس، الأصمعي باشري

يقول الدكتور والمفكر والناقد التشكيلي والأستاذ الجامعي، الدكتور محمد عبد الرحمن حسن، عن نفسه: “بدأتُ ناقداً تشكيلياً، في ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن هناك نقد تشكيلي منهجي في السودان. كانت هناك كتابات حول تأريخ الفن وكتابات أخرى حول فلسفة الفن، كلها تنطلق للدفاع عن مفهوم الفن”.

درس محمد عبد الرحمن الفن التشكيلي ثم الفلسفة والتاريخ، فتعدَّدت معارفه ما مكنه من أن يكون ضمن قائمة المفكرين السودانيين على قلتهم، وهو صاحب مشروع نقدي وفكري، وله مساهماته الواضحة في هذا الحقل, فأصبح مهتماً بمناهج ما بعد الثورة اللسانية، وهي مناهج نقدية تدعي أنَّ الأفكار تتكون نتاج اللغة، واشتغالها في الذهن والمجتمع، أكثر من أنَّها أفكار تكتشف حقائق في العالم الموضوعي. تطور مفهومه لها لاحقاً حتى صار أكثر اهتماماً بمحاولة فهم التفكير والحقائق الاجتماعية والتاريخية في سياق متغير، وفي سياق أنَّها إنشاءات وكيانات لغوية.

“صحيح أنَّ المشروع شيء يتغير، يكتشفه الإنسان في مرحلة ما من تفكيره، ثم تجيء مرحلة لا بد أن يتطور فيها هذا المشروع، لأنَّه ربما لا يكون واضحاً في البداية، ومن الجيد أن يتم الاشتغال عليه دائماً، وهذا ما حدث معي”؛ يقول عبد الرحمن ثم يعرج على بداياته: “بدأت ناقداً تشكيلياً، في ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن هناك نقد تشكيلي منهجي في السودان، كانت هناك كتابات حول تأريخ الفن وكتابات أخرى حول فلسفة الفن، كلها تنطلق للدفاع عن مفهوم الفن، لكن هذه الكتابات كانت تفتقر لدراسة الأعمال الفنية وتصنيفها ونقدها بمناهج تعنى بشكل العمل الفني. كان النقاش منصبَّاً على مفاهيم الفنانين للفن، وهي نقاشات ابتدرتها مدرسة الخرطوم مع من يقابلهم في الجهة الأخرى من الجماليين، ويمثلهم حسن موسى، وعبد الله بولا، كان كل يطرح مفهومه للفن. بدأت وتأثرت بالاتجاهات التي بدأت تظهر في المغرب الذي كان له الفضل لتعريفنا بها، لكن سرعان ما تعرفنا على هذه الاتجاهات في مظانها وقرأنا للمفكرين ما بعد البنيويين كما أطلق عليهم. في تلك الفترة بدأ تفكيري يتكون ودخلت إلى النقد بمفهومه الواسع، النقد الفلسفي والنقد الفكري، كان هذا مدخلي، وتطور معي الأمر إلى أن أصبحت مهتمَّاً بمناهج ما بعد الثورة اللسانية، وهي مناهج نقدية تدعي أنَّ الأفكار تتكون نتاج اللغة، واشتغالها في الذهن والمجتمع، أكثر من أنَّها أفكار تكتشف حقائق في العالم الموضوعي. في ما بعد تجلَّت فكرة أوسع مفادها أنَّ الحقائق في معظمها إنشاءات اجتماعية وليست ذات طبيعة وضعية”.

ويضيف: “هذا النوع من التفكير، مرتبط بما بعد الحداثة وما بعد البنيوية، نبهني إلى أنَّ ما كنت أقدمه من نقد للاتجاهات الفكرية والتشكيل مثله مثل الأعمال الفنية يُكوِّنها الإنسان في سياق تصديه لمشكلة معينة، وليست هي أفكار ذات طبيعة موضوعية ويقينية وقاطعة، وبالتالي كان لا بد من معرفة كيف تكونت، ووفق أي ظروف اجتماعية وحين تنقلها من مجتمع إلى مجتمع آخر، وما هو تأثيرها وإلى أي مدى، وكيفية اختبارها في الزمن وكيف يعاد فهمها من جديد. محاولة فهم التفكير والحقائق الاجتماعية والتاريخية في سياق متغير، وفي سياق أنَّها إنشاءات وكيانات لغوية. كل ذلك كان مدخلي لمشروعي الذي أعتبره الآن مهماً ومن ضمنه ستصدر لي أربعة كتب تمثل ما أنجزته خلال العشرين عاماً على هذا المشروع الذي يتأسس على نقد الحداثة من منظور المجتمعات غير الأوروبية، أو ما أسميه أنا من منظور محلي”.

وحول تراجع حركة النقد والتنظير، والأسئلة الموازية لما يطرحه العمل الفني، يرى د. محمد عبد الرحمن أنَّ المفارقة بين الفكر التشكيلي والأدوات النظرية في السودان ضعيفة للغاية مقارنة مع الحركة التشكيلية كممارسة جمالية محضة، لا تخص التشكيل وحده. فضعف الإنتاج الفكري سمة عامة لكل المجتمعات التي دخلت هذه الحداثة من باب القوة والقسر، ويضيف: “الأمر ينطبق كذلك على الفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ وعلى كل العلوم الإنسانية والتي أرى أنَّها لم تنتج معرفة حقيقية بمجتمعاتها وواقعها تماماً مثل التنظير التشكيلي الذي أشرت إليه، يكمن الفرق في أنَّ التشكيل يشمل جانباً من الممارسة والتطبيق ما يمنحك رؤية لقياس الاختلاف؛ الممارسة متقدمة والتنظير ضعيف”.

فيما يخص العلوم الإنسانية – يقول عبد الرحمن – يظل ذات الإشكال قائماً لكنَّها تفتقر للجانب التطبيقي المعين، هي دراسات نظرية تبدو وكأنَّها تنتج معرفة حقيقية بمجتمعاتها لأنَّها تستعير في الغالب تنظيرات ومفاهيم ومناهج جاهزة، فتبدو وكأنَّها ذات عضد قوي، لكن بالنظر إلى التشكيل تجد أنَّه على مستوى الممارسة فإنَّ الفنان معني بابتكار ما يعبر عن واقعه بما يمكنه من إنتاج شيء حقيقي؛ لكن عندما يأتي للجانب النظري فإنَّه يضطر إلى استعارة أشياء مثلما يستعير كاتب التاريخ والإنثربولوجي ومنظر علم الاجتماع، هنا تظهر المفارقة. “أعتقد أنَّ كل العلوم في حاجة للارتباط بواقعها ويعاد التنظير فيها”، يضيف عبد الرحمن.

ويرى عبد الرحمن أنَّه على مستوى الممارسة التشكيلية لا توجد تبعية ثقافية، فالتشكيليون السودانيون – كما يقول – قادرون على التعبير عن أعالمهم وقضاياهم، وعلى خلق أساليب جديدة وربما بدأ اكتشاف هذا الأمر مؤخراً. ويضيف: “من أهم الكتب التي صدرت في السنوات القليلة الماضية كتاب لصلاح حسن (الجرّق)، وهو مؤرخ مهتم بتاريخ الفن الأفريقي، يعيش الآن في أمريكا، ويدرس في جامعة (كورينيل يونفيرستي). هذا الكتاب عن الفنان الصلحي، والصلحي له مكانة مهمة لأنَّه جزء من حركه التحرر الوطني في ستينيات القرن الماضي، وهو إلى ذلك جزء من حركة التساؤل حول الهويات والثقافات في عالم الجنوب، وجزء من التيار الفكري المطروح مع مفكرين من أمثال فرانز فانون ونوكرومه وكل المنظرين الأفارقة. إنَّه جزء من سياق كامل لم يتم الاهتمام به ذلك الوقت ويعاد التفكير في هذا السياق الآن بواسطة مجموعة من المفكرين الأفريقيين الموجودين في أمريكا.

فعلى مستوى الممارسة، إذا نحن استعدنا مصطلح الأصالة – يقول عبد الرحمن – سنجد أنَّها أصالة في إنتاج التشكيليين، لكن لنتساءل: ما هي الأدوات التي يمكن أن نكشف بها هذا الأصالة؟ ويجيب عبد الرحمن بأنَّ الإشكالية تكمن في الأدوات التي يريد المشتغلون أن يحللوا بها الأعمال الفنية لفهمها واستخلاص تنظير حولها. فالتبعية متعلقة بالأدوات المستخدمة – برأيه – التي صُمِّمَتْ لقياس عمل فني خارج السياق الغربي؛ فهي – أي الأدوات – تقيس الاتجاهات والأساليب وطرق التعبير عن واقع الغرب، وبالتالي فهي تصنف الفن الأفريقي نوعاً خاصاً من الفن وليس فناً بالمعنى المطلق.

 

1+

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *