‫الرئيسية‬ مقالات صندوق النقد أم البديل الوطني؟
مقالات - 15 أكتوبر 2020

صندوق النقد أم البديل الوطني؟

محمد الأمين سليمان

* قصدت عدم الاستعجال حتى تصدر التوصيات الختامية الرسمية لِما تمَّ بين يومي 9/26 و9/28 تحت مسمى (المؤتمر الاقتصادي)، لإبداء الرأي المتمهل، لكنَّها لم تصدر حتى الآن، مما أثار الكثير من الاسئلة.

* لم يكن مرجواً من المؤتمر أن يضع خُطة اقتصادية صرف النظر عن مدتها، بل كان مؤملاً أن يناقش – كمسالة عاجلة – ميزانية 20-19، والتعديلات التي أجريت عليها مؤخراً، ذلك على ضوء مسألتي:

1- رفع الدعم.
2- سياسة التحرير (تحرير أسعار السلع وسعر الصرف).

وهي السياسات التي اعتمدتها عملياً الحكومة، وقطعت شوطاً في تنفيذها.

* فمنذ عشرة أشهر تباينت وجهات النظر بين رئيس الحكومة التنفيذية واللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير، إذ رفضت الأخيرة وجهة نظر الحكومة وقدمت بدائلها لذلك، ومن هنا نشأت فكرة (المؤتمر الاقتصادي) لتوسيع المناقشة حول هاتين القضيتين، والاستئناس برأي الخبراء والاقتصاديين من خارج الجهاز التنفيذي وقوى الحرية والتغيير، بعد أن تتاح الفرصة لكلا الطرفين لطرح وجهة نظره ومبرراته، وما يراه من نتائج أكثر إيجابية من وجهة النظر الأخرى، مع توسيع المجال حتى لتطوير طريق ثالث إن أمكن، ينال رضا وقبول الجميع.

* بهذا المفهوم، يبدو أنَّ فكرة عقد المؤتمر التي أطلقتها قوى الحرية والتغيير كانت منطقية ومعقولة وإيجابية.

* لكن يبدو أنَّ الجانب الآخر برئاسة رئيس الوزراء، كان قد حزم أمره، واتخذ قراره بالسير في طريق رفع الدعم وتحرير الأسعار وسعر الصرف، ووقع اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي تضمَّن التزامه بهذه السياسات (رفع الدعم وتحرير الأسعار)، قبل انعقاد جلسات المؤتمر، وأرسل الاتفاق الذي حمل مسمى (هيكلة الاقتصاد السوداني) إلى مجلس رئاسة صندوق النقد قبل شهرين تقريباً (أيام البدوي)، والذي اعتمده في اجتماعه الأخير، وأعلن عنه يوم 26/9/20 أي نفس يوم انعقاد (المؤتمر الاقتصادي)، في خطوة لا يمكن قراءتها إلا على أنَّها هدفت لترجيح كفة أنصار روشتة الصندوق الدولي، وإضعاف كفة الرؤية البديلة.

* ما أسماه السيد رئيس الوزراء في الجلسة الختامية على أنَّه تمرين ديموقراطي – مع شديد الأسف – لم يكن كذلك، فقد كان مؤملاً أن يشكل المؤتمر فرصة لقوى الثورة وفصائلها المختلفة للتداول ودراسة واقع الحالة الاقتصادية والمعيشية والوطنية، واستخلاص نتائج تشكل منهجية وطنية للتعامل مع مشكلات هذا الواقع، خصوصاً وأن المؤتمر هو الأول من نوعه الذي ينعقد بعد ثورة ديسمبر بآمالها وتطلعاتها وأهدافها، وهذا في حد ذاته يضع شرطاً مسبقاً بأن تشكل مخرجات هذا المؤتمر تغييراً حقيقياً في الطريق الذي كان يتبعه العهد البائد مناهجه وسياساته، بل والشرائح الاجتماعية المستفيدة من العملية الاقتصادية في مجملها، فالقوى الاجتماعية التي أنجزت الثورة ودفعت كلفتها كانت تنتظر من المؤتمر أن يرفع عنها أثقال السياسات التي أوصلتها إلى حد الجوع والمسغبة والمرض والحالة المزرية التي كانت تعيشها قبل الثورة، واستمرت بعدها.

* ما أعدَّه رئيس الوزراء للمؤتمر لم يكن ذهناً مفتوحاً وصدراً واسعاً لسماع ومناقشة وقبول وجهة النظر والبدائل الأخرى لسياساته وروشته صندوق النقد بقدر ما كان مهتماً، هو وطاقمه، بإعداد مسرحية تستغل المؤتمر للالتفاف على وجهة النظر والبدائل الأخرى التي لا تتماشى مع روشتة الصندوق، وتأكيد وتعزيز استمراره في رفع الدعم عن السلع، خاصة المحروقات، وتحرير أسعار الصرف والجنيه … إلخ.

– عليه كان جلياً الجهد الكبير الذي بُذل لتفادي المناقشة الجادة والشفافة داخل المؤتمر، ذلك ابتداءً من إسناد الدور المهم لمستشاره في أعمال إدارة المؤتمر، وإعطاء الدور الأكبر في صياغة التوصيات القطاعية للإدارات الرسمية لهذه القطاعات، والتضييق الشديد على المناقشات خلال أيام المؤتمر الثلاثة.

– كل ذلك مكَّن من مصادرة الفرصة العادلة أمام المقترحات البديلة لشرحها وتوضيح جدواها ونجاعتها مقارنة بالسياسة التي اعتمدها السيد رئيس الوزراء، والتي تتلخص في التماهي مع روشتة صندوق النقد.

* التوصيات في أغلبها تشبه أهدافاً لخطة هوائية هلامية تخلو من الالتزام بالقيود الزمنية أو أي تفاصيل او أرقام للتكلفة أو العائد الاقتصادي والاجتماعي منها، وهي بذلك تكون أقرب للأماني العذبة.

– فالتوصيات كانت ملخصاً لمناقشات تمَّت في ورش القطاعات، لكن إلى أي درجة شاركت القوى الحية في تلك القطاعات، في مناقشة قضاياها ومشاكلها وحلولها؟

يبدو أنَّ نُخباً من هذه القطاعات قد انكبَّت على ملفاتها القديمة، ولم تخضع مقترحاتها لمناقشات واسعة داخل القطاع المعني، كما لم تجلس القطاعات إلى بعضها البعض، وتجري مناقشة بمنظور كلي، وتركت هذه المهمة للجنة المنظمة، والتي يبدو هي الأخرى لم تبذل الجهد المطلوب لتنقيح وتبويب التوصيات، ودمج المقترحات المتداخلة بين القطاعات over lapping ووضعها في أطر زمنية عاجلة وإسعافية ومتوسطة وطويلة.

لقد حذَّرنا في مقالات سابقة من تدخل وزارة المالية بأكثر من إعطاء البيانات، والمستشار الاقتصادي وحمدوك نفسه في أعمال إدارة المؤتمر، وأكدنا أنَّهم غير محايدين، وأنَّهم مُنحازون وبشدة لروشتة الصندوق، وأنَّهم سيحضرون إلى هذا المؤتمر وأصابعهم في آذانهم، ولن يكون هدفهم منه إلا الإفلات من البدائل ووجهة النظر الأخرى وهزيمتها، وطالبنا قوى الحرية والتغيير بأن تتولى هي إدارة هذا المؤتمر، باعتبار أنَّ هذا المؤتمر يمثِّل المنظور الاقتصادي للثورة، وباعتبار أنَّها (قوى الحرية والتغيير) تمثل طيفاً واسعاً من المدارس الفكرية والاقتصادية، كما وأنَّها – وهذا هو الأهم – ليس لديها ارتباطات سابقة مع أي جهات أخرى خارج الوطن. وأخيراً، السيد رئيس الوزراء لم تعد تطربه موسيقى السلم الرباعي، وموسيقى الصندوق هي الأقرب لوجدانه وحاضنته الحقيقية غير البيولوجية.

* ما كان السيد رئيس الوزراء يحتاج لمخاطبة المؤتمر مرتين أو أكثر (إلا لحاجة في نفس يعقوب)، فالسياسة الاقتصادية والمالية والنقدية التي ينادي بها نيابة عن الصندوق تمشي على رجليها في الشارع السوداني والأسواق، وتدخل حرمات بيوته وتحيل حياة الناس إلى جحيم، فقد وصل معدل التضخم في أغسطس إلى (166%)، ووصل سعر الدولار إلى (250) جنيهاً في السوق الأسود، وارتفع معدل الفقر إلى (65%) من جملة السكان، وتباع قطعة الخبز بـ (10) جنيهات في العاصمة، وفي أطرافها والأقاليم وصل سعرها إلى (30) جنيهاً إذا وجدت، وأسعار البنزين والجازولين ارتفعت بنسبة (400%)، فهل كان السيد رئيس الوزراء ينتظر أن تخفف خطاباته المشحونة بالعواطف والتعاطف من وطأة اختياراته الاقتصادية القاسية والخاطئة، والتي أحالت حياة الناس إلى جحيم عبَّر عنه مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (اوتشا)، بأنَّ الوضع الاقتصادي في السودان مُزرٍ.

– كما وأنَّ السيد البرهان لو أنَّه انتهز فرصة افتتاح المؤتمر، وأعلن في جملة واحدة عن أيلولة شركات المنظومة العسكرية والأمنية لوزارة المالية، كان قد عبَّر عن اقتناعه بفكرة انعقاد المؤتمر وضرورة نجاحه، وضرورة تقديم الدعم لميزانية الدولة في هذا الظرف الشديد الحرج، ولكنه اكتفى بخطاب لا يسمن ولا يغني من جوع.

*خلاصة القول، إنَّ الحكومة – ورغم المعارضة قبل وخلال المؤتمر – ستسعى بعد انعقاد المؤتمر مباشرة لمواصلة:

1- رفع الدعم عن السلع الأساسية.
2- تخفيض قيمة الجنيه، بل وتعويمه حتى يفقد أي قيمة شرائية حقيقية.

وهذا بالضبط ما استهدفته الحكومة من انعقاد المؤتمر الاقتصادي، واعتبرت أنَّها بذلك قد انتصرت على قوى الحرية والتغيير، ولم يخف رئيس الوزراء سخريته عندما وصف المؤتمر زوراً أنَّه تمرين ديموقراطي.

* لقد تمَّ تزييف إرادة قوى الثورة وأهدافها وشهدائها من خلال هذا المؤتمر، وكان مرجواً فيه أن يمُثِّل رؤية ثورة ديسمبر المجيدة في الاقتصاد؛ فالثورة ما قامت وقدمت التضحيات من أجل الامتثال لروشتة الصندوق الدولي، كما أنَّ السيد حمدوك وحريكه الَّذَيْن ظهرا في غاية السعادة في الجلسة الأخيرة لانتصارهما على قوى الحرية، إلا أنَّ فرحتهما كانت أقرب لخداع النفس، إذ لم يستطيعا، ولا مؤتمرهما، أن يقدِّموا حلاً واحداً لأي جزء من الأزمة الاقتصادية، فكانت الأزمة والصندوق على يديهما هما المنتصر الحقيقي، والمهزوم هو الشعب الذي خاب رجاءه، وحمدوك نفسه وليس قوى الحرية وحدها.

* وستظل الأزمة الاقتصادية قائمة ومتفاقمة ومستمرة بعد المؤتمر، وبِأسوأ مما كانت عليه من قبله، وستكون لها تداعياتها الاقتصادية والسياسية الخطيرة قريباً.

* وعلى قوى الحرية والتغيير أن تتحمل مسؤولية هذا السلوك غير الناضج وغير المسؤول الذي شاهدناه خلال المؤتمر، والذي سيؤدي حتماً للهاوية الاقتصادية والسياسية، في وقت تتربص فيه قوى الرِدَّة بمجمل الثورة وأهدافها، وعليها أن تجد بديلاً للسيد رئيس الوزراء وطاقمه الاقتصادي، (والذي كشف عنه المؤتمر الغطاء)، واتضح أنَّه هو نفسه في حاجة لمستشار يعينه في أداء مهامه الاستشارية – ذلك قبل أن ينتفض هذا الشعب ويجد بديلاً لقوى الحرية والتغيير نفسها.

* فما لأجل هذه النزوات والأهواء قامت الثورة وقُدِّمَت التضحيات والشهداء.

 

1+

تعليق واحد

  1. شكرا جزيلا على هذا المقال المحكم ..

    الحقائق تبدو جلية الآن والحكومة عقدت عزمها على المضي في الطريق المتفق عليه سلفا قبل انعقاد المؤتمر (المهزلة), فهو بذلك تحصيل حاصل. بل هو أسوأ من تحصيل حاصل بكثير لانه كشف عورة الكفاءة (لعلها عورة عدم الكفاءة بالأحرى) .. فما شاهدناه هو صورة من صور الفوضى المتجاوزة والضاربة بإطنابها في ذلك الوطن الحزين. فلا قحت ولا الحكومة ولا ذلك الطابور الطويل من (الخبراء) المزعومين يمتلكون وعي المرحلة ووعي الممكن والمتاح والقابل للتنفيذ والآني والممرحل والخارج عن اطار الفترة الانتقالية.

    والاهم من ذلك لا يمتلكون الوعي الكامل بالعمل المشترك وتوزيع الأدوار والمهام وطبيعة العلاقة ما بين الذراع التنفيذي والذراع السياسي بل ولا يمتلكون اطارا عاما للاهداف الكلية للفترة الانتقالية وطبيعة الصراع الممكن ادارته في الفترات الانتقالية اذ لا يعقل ان يدير الناس صراعا ايدلوجيا في فترة انتقالية على سبيل المثال وطبيعة قحت طبيعة توافقية في نهاية المطاف وهي طبيعة حاكمة ومهيمنة لا يمكن العمل من دون هذا التوافق الذي هو الأساس في تكوينها.

    0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *