‫الرئيسية‬ مقالات حميدتي وتعلم الحلاقة في رؤوس اليتامى .. إخفاق ملفي الأمن والاقتصاد
مقالات - 13 أكتوبر 2020

حميدتي وتعلم الحلاقة في رؤوس اليتامى .. إخفاق ملفي الأمن والاقتصاد

 

كل امرئ يحتل في السودان غير مكانه

المال عند بخيله والسيف عند جبانه

رحم الله الشاعر علي نور (١٩٠٢ – ١٩٧٢) شاعر الحركة الوطنية الذي اختزل مأساتنا عبر الأجيال بالبيت أعلاه، وأثناء ثورة ديسمبر وبعدها استحضرت ذاكرتي مرتين هذا الشاعر الفذ: الاستحضار الأول في أيام تأجج الحراك، ضجت الأسافير بأنَّ الشاعر علي تمَّ تكريمه، وكرمت بنصيب وافر من البطش أسرته وأحفاده، وتمَّ اقتحام منزل الأسرة من زبانية النظام المقبور، الذين ما زالوا يحكمون القبضة على مصيرنا رغم ثورتنا، يساندهم للأسف ضعف من اخترناهم لتنفيذ أهداف ثورتنا. أما استحضاري الثاني لأبياته عن مأساتنا المزمنة، كلما أرى حميدتي يتنسم هياكل الحكم، ويفتي في كافة الأمور اقتصادياً وسياسياً وعلمياً وعلاقات دولية في نسف كامل للمأثور من شعر المتنبي:

يموت راعي الضأن في جهله

كموت جالينوس في طبه

فعذراً أيها الشاعر الهائل، فقد رأينا بأم أعيننا في عصر المحن، في عهد الثورة، أنَّ راعي الضأن لا يموت في جهله كما تعتقد، بل يتغول على علم جالينوس وطبه دون دراية، ويجد من يستمع إليه دون تصد، أو يجد من يلقمه حجراً. وفِي زماننا المر هذا يلجم لسان من أطلقنا عليهم الكفاءات ونصبناهم بدماء أبنائنا، وخصماً على شرف بناتنا، حراساً لتنفيذ أهداف الثورة، ويطلق لسان الجاهل فاقد الكفاءة.

عار أن يتبنى من يمثلون الثورة (لا أرى ولا أسمع ولا أتكلم)، وعارنا أن نختار لتنفيذ أهداف ثورة عظيمة من يؤمنون ويتبنون هذه الحكمة التي تغيب الإرادة وتجسد معاني الخنوع، وطالما كان أمر حكومتنا هكذا، ليس غريباً أن تفقد الحكومة الانتقالية مساندة الثوار الذين أتوا بها، وحملوها على ظهر سفينة الثورة عبر بحور دماء الشهداء إلى مرافئ الحكم واتخاذ القرار.

تؤذي الفطرة السليمة، وتقلق مضاجع الشهداء، وتعذب أرواح ضحايا حميدتي، رؤية قلة حيلتنا اليوم، وأنّ من يتحكم في ثورتنا شخص أعمى البصيرة والبصر (ولا يعلم كوعه من بوعه)، بسخرية القدر صار سدرة منتهى قرار الحكومة يحكم ويتحكم، تحزن قلوب الثوار مشاهدته يتهكم، ويسخر من وزير كُنَّا نظنه (والظن اثم) يمكن أن يصنع فارقاً لصالح أهداف الثورة، ولكنه للأسف عجز عن حفظ كرامته ولم يحترم عمله، ناهيك عن حفظ كرامة الثورة، وأطلق العنان لمن لا (يفك الخط)، ليقرر في أمر يحتاج لمعرفة علمية وفنية هي صميم تخصص الوزير الذي رشح لتولي المنصب.

والأنكى من ذلك أنَّ معلومات من أفتى تماثل معرفة قصاب بعلم الذرة, والمؤلم حقاً في المشهد لم يكتف حميدتي بالفتوى في أمر لا يعلمه، بل سخر من افترضنا فيه المعرفة، الذي لَم يفتح الله عليه بكلمة ترفض الإهانة أو تستنكر تغول حميدتي على تكليفه الذي كتب بمداد دماء خيرة أبناء السودان.

يقول تاريخ الأسطورة (حميدتي لم يتلق تعليماً) و(وهذا ليس مسؤولاً عنه)، ومهنته الأساسية مرافقة قوافل صادر الإبل إلى ليبيا، أهلته فراسة فطرية لمعرفة دروب الصحراء المقفرة, قال من شاركوه المهنة: “لم يحلم يوماً بقيادة قافلة تحتوي ثلة رعاة”. ثم اتجه لعمل آخر، وهو فرض أتاوات على تجار الإبل أو سرقتها.

خرج الرجل الأسطورة من قمقمه حين أشعل السفاح البشير مجازر ومحارق دارفور، وكنا نطالع قصة من قصص الواقعية السحرية يتحدث حميدتي عن نفسه دون حياء: “المال ومقتل أخي هما ما دعاني للقتال”، احترف الحرب والارتزاق، وسام الأبرياء العزل العذاب قتلاً وحرقاً وتنكيلاً واغتصاباً، ليرتقي في سلم الإجرام لحماية المجرم الأكبر المخلوع، الذي رأى في بطل قصتنا تعطشاً للدماء والدمار، وله قلب نزعت عنه الرحمة، لا يتورع في فعل أي شيء من أجل المال، فوجد فيه المخلوع ضالته، ونصبه على رأس عصابة الجنجويد المعروفة بارتكاب الفظائع، وساعده بأموال ضحاياه المنكوبين، فنال باعتراف المخلوع في محكمته، ما يعادل ربع ميزانية عام 2018 لتقوية شوكته، وتجنيد أرتال من منبوذي أوطانهم، ممتهني قطع طرق جنوب الصحراء.

اجتهد المخلوع في تسليحهم ورفع مقدراتهم حتى يوفر له الجنجويد حماية شخصية، تتمكن من ردع أي تحرك مضاد له داخل القوات المسلحة التي تضعضعت بعد أن سرح المخلوع ضباطها الوطنيين الأقوياء، وأبقى على كل من لا يملك إرادة، وإمعاناً في إذلال وإرهاب الجيش، أنعم السفاح على بطل روايتنا برتبة عسكرية رفيعة، وأعطاه الحق في توزيع الرتب العسكرية للمجرمين والمرتزقة، ومعيار توزيع الرتب بمليشيات بطل القصة تقاس بمقدار سفك الدماء واغتصاب الآمنات، وترويع ونهب العزل، قصة تحكي أغرب تفاصيل تمر على بلادنا عبر التاريخ البشري.

ومن يزرع الشر يحصد الندم، بعد أن تيقن جنرال الخلاء من انتصار ثورة ديسمبر تخلى عن ولي نعمته، السفاح المخلوع، ليس لوخز ضمير أو صحوة حق. باع المخلوع بثمن بخس في مقايضة للإفلات من عدالة الثورة، ولضعف قيادة الجيش، قفز حميدتي إلى قمة السلطة، يمارس دمويته، ونهب الموارد، فكان فاتحة أعماله أبشع جرم شهده العصر الحديث (جريمة فض الاعتصام)، وتفتحت شهيته في احتراف الارتزاق الدولي، ورهن خدماته لمن يدفع أكثر، تراه يقذف بأفراد عصابته إلى محرقة اليمن أو جحيم ليبيا، دون وازع، ورأت فيه قوى الدول النفطية حارساً أميناً لمطامعها في بلادنا، وهو خير من يقوم بهذه المهمة القذرة.

يكمن عار من اخترناهم لتنفيذ برامج الثورة بالتقاعس عن الأهداف، والخنوع لهذا الرجل الذي يعلم سيرته الجميع، من جهل ودماء وهتك أعراض وانتهازية ولصوصية وارتزاق، لا يستطيعون التصدي له بكلمة الحق، أو حتى رد اعتبار لكرامة شخصية، استكانوا أمام صلف جهله كالتلاميذ، وأدمن وصمهم بالفشل والتهكم والسخرية من أداء تكليفهم الذي مهرناه بالمهج والدموع والدم الطاهر.

ألا يعلم حميدتي أنَّه أساس الفشل اقتصادياً، يشغل رئيس اللجنة الاقتصادية التي تدير عجلة اقتصاد البلاد، وأمنياً هو مسؤول عن الملف الأمني وملفا الاقتصاد والأمن هما محور إخفاق الحكومة؟

يمكن الرد على جنرال الدم بصحيفة أعماله التي لا تكذب، والمعلومة للجميع، نبدأ بتذكيره بنافلة (من قال لا أعلم فقد أفتى)، وحقيقة ليس مجازاً، هو لا يعلم، ولا ينبغي له أن يعلم. وفضح كذبه وتحريه للكذب بدافع اللصوصية أن تهريبه للذهب لم يتوقف يوماً، وأرقام وسجلات البورصة العالمية للذهب شاهد على ذلك، فمن أين تأتي الموارد، ورئيس اللجنة الاقتصادية ينهب صادر البلاد الوحيد، ويحوله لمصلحته، وللصرف على المنبوذين الذين جندهم مرتزقة؟

كان الأحرى بوزير الكفاءة أن يقول له: “لم تكن يا جنرال شفافاً، وكذبت من على المنبر كذبة بلقاء، ونسبت إليك فضل منحة بنك التنمية الدولي التي وجهت لتمويل المحروقات والقمح، وادعيت زوراً أنَّها من حر مالك واجتهادك، ووثائق البنك تشهد بكذبك، وأنَّ ارتفاع أسعار الدولار سببه احتياج لشركة مملوكة لك لموارد بالعملات الصعبة حتى تتم صفقة تسليح قواتك التي تسيطر بها على جبل عامر، وتنهب في ثرواتنا القومية، فالخرطوم عاصمة لا تعرف الأسرار، ناهيك عن صفقات المخدرات التي ينشط فيها الصف الثاني من أفراد المرتزقة المنبوذين الذين جندتهم، وخنت بهم ولي نعمتك، وابن عمك المجرم المطلوب للعدالة الدولية، بعد أن استبحت مضارب أبناء عمومتك مستريحة، كان يمكن يلجم جنرال الخلاء، ويلغم حجراً من أي مواطن دفع أغلى ما عنده من أجل الكرامة”.

زبدة ما سردناه، تتجسد ما افتتحنا به حديثنا، واختزله عام ١٩٣٨ شاعرنا علي نور (طيب الله ثراه) المال عند بخيله والسيف عند جبانه، فمكان حميدتي السجن، وبعض من اخترناهم عليهم الذهاب لأنهم ليسوا في قامة الثورة، وليس لديهم القوة لتنفيذ أهدافها والدفاع عنها.

يا من أتي بكم الثوار إلى كراسي الحكم، اسمعوا واعوا، لقد قدَّم السودانيون كل ما في مقدورهم أن يقدموه، ثاروا على أبشع نظام عرفته البشرية، واقتلعوه بتضحيات جسام، فقدوا فلذات أكبادهم شهداء فداء للتغيير، واستبيحت أعراضهم، لم يقصروا في دعمكم مادياً وسياسياً، قدموا لكم المساندة في كل لحظة فارقة أحسوا فيها أنَّ عليهم تثبيت وتقوية موقفكم، وسيروا المواكب المليونية، موكباً تلو موكب لتقوية ضعفكم وستر عوراتكم، وصبروا من أجل حلمهم على الجوع والمسغبة، ولكن كل هذا لم يحرك فيكم شعرة، فمن أي طينة ثوار أنتم؟!

 

2+

تعليقان

    1. استاذ حسن
      تحياتي واحترامي
      شكرا اعلي المتابعة والتعليق …لم يتبقي لنا سوي ذكر الحقائق مجردة
      اسعدتني متابعتك لما اكتب
      منتصر عبد الماجد

      0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *