‫الرئيسية‬ سياسة (أسطورة الانقلاب) والمستفيدون منها
سياسة - مقالات - 15 أكتوبر 2020

(أسطورة الانقلاب) والمستفيدون منها

عبدالله عيدروس

التسوية السياسية بين الجماعات المسلحة والمدنية في السودان خلَّفت نظاماً جديداً لا يمت لنظام البشير الذي سقط في أبريل 2019 بصلة، لكنَّه أيضاً لا يمثل تطلعات الشعب وتوقعاته بعد مرور عام على الوثيقة التأسيسية، ومن الواضح أنَّ المصاعب والمعوقات التي تحيط بالثورة السودانية تحتاج لموجات ثورية متواصلة، لا يشترط أن تكون المواكب والتظاهرات أداتها الوحيدة، وإن كان ضرورياً أن تكون موجودة وقريبة، تستدعيها القوى الثورية كلما تطلب الحال.

السلام هو أول ضرورة يجب اقتضاؤها، وبينما تصر المجموعات الحاكمة على أن تصور ما عقد من اتفاقيات بين المجلس السيادي الحاكم وبين قيادات الجماعات المسلحة بأنَّها تتضمن في بنود الاتفاقيات ما يضمن طي صفحة الحرب تماماً، إلا أنَّ واقع الحال يقول إنَّ هنالك درباً طويلاً يجب أن نقطعه حتى تتنزل الوعود إلى أرض الواقع، ومع ظروف الوضع الاقتصادي المتردي والانهيار التام لقطاع الخدمات الحكومي وانهيار قيمة العملة مع ارتفاع الأسعار، فإنَّ هذه وصفة متكاملة لانتشار العنف من جديد نتيجة للشعور بالإحباط والغبن وعدم الرضا عن مآلات الأمور، وعدم الثقة في الوعود البراقة التي درج رئيس الوزراء وطاقمه على إطلاقها، والتي تكذبها ظروف الحياة اليومية في العاصمة ومدن الأقاليم.

توازن القوى الحالي محلياً ودولياً لن يدفع بأي مغامر من الجيش الرسمي أو قوات الدعم السريع أو أي من الجماعات المسلحة الأخرى لمحاولة السيطرة على الدولة بالانقلاب، ورغم أنَّ الوعي الشعبي يرى أنَّ الضائقة المعيشية هي ظرف موضوعي لسقوط الحكومة، مع ملاحظة كثير من الأيادي التي تتآمر لمزيد من تأزم الأوضاع، إلا أنَّ هذه الشروط وحدها لا تكفي لنجاح عملية من هذا النوع مع حالة التشظي العام سياسياً واجتماعياً، واندلاع المنازعات القبلية والعنف المنتشر في المدن، فأول شروط الانقلاب ليس في استغلاله لانسداد الأفق السياسي فقط، بل لابد من تصويره على أنَّه المنقذ والقادر على رسم طريق الأمل لدى قاعدة شعبية مؤثرة، وفي مثل الظرف الحالي فإنَّه ليست هنالك فرصة لأي مكون من مكونات السلطة ولا خارجها لإجراء قفزة من هذا النوع من غير السند المحلي أو الدولي.

لدى جهات كثيرة مصالح في ربط مسألة الضغط الشعبي على الحكومة المدنية أو المطالبة بإسقاطها، باعتبار أنَّ ذلك سيمنح الفرصة لعناصر نظام البشير وتحالفاتهم داخل السلطة الحالية للانقضاض والسيطرة على مقاليد الدولة باستخدام العنف، والمستفيد من نشر مثل هذه الأفكار المضللة جماعات متباينة، جزء منها أعداء للثورة وللتغيير، وتريد أن تضع المناخ السياسي باستمرار في حالة من الحذر والخوف، مما يعطل مساعي القوى المدنية لنقل الحالة العامة من وضع الشعور بالأزمة إلى التحرك للمساهمة في حلها، كما أنَّه يجدر القول بأنَّ هنالك جماعات حزبية مشاركة في الحكومة المدنية تغيرت نظرتها للعمل الشعبي، باعتباره يهدد مكتسبات الثورة، وتريد الاحتفاظ بمواقعها في جهاز الدولة حتى لو كان ثمن ذلك تجريم وقمع التجمهر الشعبي والمواكب والمظاهرات.

إنَّ إزاحة وهم خطر الانقلاب لا تعني بالطبع أنَّ الأمور على خير حال، بل على العكس من ذلك، نقول إنَّ التأخر في اتخاذ قرارات نافذة لحل الأزمات يؤدي إلى انتشار رقعة العنف بما يهدد بتفكك الدولة، وهو الخطر الأكبر على السودان في الوقت الحالي.

يجب أن نلاحظ أن الدعوات التي أطلقت للخروج إلى الشارع، والتعبير عن السخط الشعبي على أوضاع الحكم، تعاني في نفسها من عدم وضوح الرؤية، ومن الانتقال من موقع الهجوم الثوري إلى موقع الدفاع عن الغرض، وبينما يقول البعض إنَّهم يخرجون لتصحيح مسار الثورة، يرى آخرون أنَّ واجبهم إسقاط الحكومة أو إجبارها على الاستقالة، وبينما يحدث كل ذلك لا تزال لجان المقاومة والتغيير والخدمات في الأحياء تستبسل لتنظيم توزيع السلع النادرة، وتتعرض للسخط والغضب، بل والعنف المستهدف أحياناً.

يجب أن يكون الدور الأساسي للقوى الثورية هو إحباط أي محاولات لانقسام للجماهير الثورية وجرها إلى العنف والاقتتال في الشوارع، أو افتعال الفوضى وانفراط الأمن. السلمية كانت شعاراً وأداةً فتكت بالطاغية البشير، وستظل هي القوة الجبارة التي تحرس الثورة وتدفع بالوطن إلى الأمام، فلنتمسك بها.

 

0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *