‫الرئيسية‬ سياسة أي تغيير؟ (2)
سياسة - مقالات - 16 أكتوبر 2020

أي تغيير؟ (2)

 

مهدي رابح

لتحقيق التغيير المنشود من ثورة ديسمبر المجيدة، أي ذلك التغيير الذي يعيد رسم خارطة موازين القوى وترتيب منظومة القيم المتبناة من قِبل الأفراد والمؤسسات (المجتمعية والرسمية)، ذكرنا في المقال السابق أن الشرط المفتاحي لذلك هو التحلي بالشجاعة اللازمة لمواجهة الحقائق الأساسية لواقعنا الصعب كما هي، دون تجميل ورتوش أو تصورات رغائبية نابعة من بنية العقل السحري أو مستقاة من نصوص مقدسة أو شبه مقدسة تعِدْ بسيادة ما يراه الدوغمائيون الحقّ الأوحد المطلق الذي وعدت به تفاسيرهم لتلك النصوص، حيث تشير كلها بدرجة أو بأخرى إلى أن العمل الثوري الواعي الذي تقوده قلة مختارة منهم، سيؤدي إلى انفصال ثمرة الاشتراكية أو العدالة الإلهية الناضجة التي ستسقط فجأة من شجرة نمط تطور التاريخ، الذي بدوره تحكمه قوانين عمياء وخالية من المعنى، أي يتخطى تفسيرها وتحليلها الكامل، وبالتالي توجيهها نحو وجهة محددة مسبقاً، قدرات الإدراك البشرية المحدودة.

وبدأنا في تلمّس أهم تلك الحقائق والمتمثلة في أننا نعيش اليوم في المجتمع الدولي لعام  2020م، أي أننا لم نعد في القرن السابع؛ كما أن جدار برلين قد انهار منذ بعض الوقت وأن وتيرة  التطور المتسارع اليوم تفرض تغييرات متوالية بصورة جنونية ستؤدي لا محالة إلى اصطدام المجتمع البشري بعديد التحديات المستجدة والتي لا تستطيع العقليات السحرية إيجاد إجابات شافية بشأنها، لأنها مشكلات بجانب كونها تتخطى إمكانات دولة واحدة مهما بلغت من قوة، فهي خارجة تماماً عن السياقات التاريخية التي تجمد فيها حاملوها، وأبرزها ظهور طبقة اجتماعية جديدة ومتزايدة، مكونة من مئات ملايين البشر التي لا مكان لها من المعادلات الاقتصادية الجديدة وأسواق العمل والتعريفات الطبقية الملقنة وهي طبقة غير ذوي الجدوى Useless or Irrelevant Class  ، وتعاظم خطورة نزف المال الرخيص Deluge of cheap money، وهي ظاهرة بدأت في التزايد منذ العام 1971م حين قرر الرئيس الأمريكي نيكسون فك ارتباط قيمة الدولار نهائياً من قيمة الذهب، ثم لاحقاً تخفيف النظم الضابطة لأسواق المال والبنوك التجارية والذي نتج عنه اليوم وعبر توليد الودائع المالية حجم من المال الافتراضي/الإلكتروني يُساوي ثلاثة أضعاف قيمة الأصول مجتمعة في العالم وتسعة أضعاف قيمة الكتلة النقدية، وهو ما يهدد بانهيار مالي عالمي ضخم جداً في المستقبل ثم التغيّر المناخي الناتج عن ظاهرة الاحتباس الحراري والذي سيُؤدي دون أدنى شك إلى مآسٍ بحجم هائل غير قابلة للقياس قد تؤدي في القريب العاجل إلى جعل مساحات كبيرة من العالم إما مغمورة تحت مياه البحر أو غير قابلة للحياة البشرية ثم ظهور فيروسات تزداد شكيمة ومقاومة للمناعة الطبيعية والعلاج في كل مرة ساخرة من كل نظم الرعاية الصحية ومخلفة مئات الأف الضحايا، ناهيك عن خطورة حدوث ما يسمي بالاضطراب التكنولوجي أو أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تسيطر عبر خوارزمياتها على  نشاطات صناعية وخدمية ومالية عديدة ومتزايدة، وأخيراً وأقدمها نسبياً الخطر النووي الذي ظل ماثلاً منذ اختراع القنبلة النووية وتفعيلها حين أطل وجهها القبيح من بين أطلال مدينتي هيروشيما وناجازاكي صبيحة يومي 6 و 9 أغسطس 1945م.

الحقيقة الأساسية الثانية الواجب مواجهتها هو أننا دولة في مرحلة التخلق، وأن الأربعة وستين عاماً السابقة لا تعدو خطواتنا الأولى في طريق بناء الدولة، وهي خطوات اعترتها السقطات الكبيرة بعد الأخرى، ولم نستطع في محصلتها من ترسيخ تصور لمشروع وطني واضح الهوية يعبر عن جميع مواطنيها ويفرض عليهم إحساساً جمعياً بالانتماء، بل انتهى بنا الأمر إلى إعادة تموضع المؤسسات الإثنية والقبلية والجهوية في قلب العملية السياسية والاقتصادية كبديل طبيعي لمؤسسات دولة متضعضعة فشلت في توفير الحماية والأمان وفرص الحياة الكريمة ذات المعنى للمنتمين إليها، وأن من واجبنا بناء تلك الدولة من الصفر تقريباً قبل أن نقرر كيف ومن سيحكمها ويمسك دفتها في الطريق نحو التقدم، وهي دفة ذات هامش حركة محدود جداً يساراً أو يميناً؛ فالدولة المُعاصِرة الحديثة الناجحة، والتي وصل إليها البشر كمحصلة لتجارب طويلة ومؤلمة هي دولة بيروقراطية مركزية (وهذا يشمل الدول الكونفيدرالية والفيدرالية طالما اعتمدت جيشاً واحداً وعملةً واحدةً وحكومة اتحادية ..الخ)، لكنها تعبر عن كل المواطنين بحسن إدارتها للتنوع ووقوفها من الجميع على مسافة متساوية، كما أنها دولة تتبنّى مبدأ الديموقراطية التعددية والتبادل السلمي للسلطة، والأهم من ذلك هو أنها تضع حرية ورفاه المواطن الإنسان الفرد في مركز مشروعية وجودها، وهو ما يعني أنها بنفس القدر الذي يفرض عليها إعطاءه الحرية في اختيار نشاطه الاقتصادي والمبادرة والإبداع وحق التملك والاحتفاظ بنسبة معتبرة من فائض إنتاجه، وهو ما يسميه الاقتصاديون بحرية السوق أو الرأسمالية، ومتزامناً مع ذلك فإن من واجبها أيضاً أن تفرض سلطة تضبط العلاقات الإنتاجية وتحمي العاملين وصغار الملاك والمنتجين وتمنع الاحتكار واستغلال الضعفاء، بل تذهب إلى أبعد من ذلك بتوفيرها خدمات عامة تتمثل في المستوى الأدنى اللازم من خدمات التعليم والصحة ليكون أمام الجميع فرصة متساوية لاختيار نوع الحياة التي يرونه بعقولهم ذات معنى، وأخيراً وليس آخراً توفير شبكة أمان اجتماعي للشرائح الضعيفة الهشة وهو ما يُسمّى بالاشتراكية، أي أنها دولة خارجة من كل التعريفات القديمة السهلة المتداولة في فضائنا السياسي اليوم، والتي يصم بها البعض آذاننا بترديد إلى رتيب.

ورغم أن الطبيعة حبت بلادنا بحدودها الجغرافية الحالية، أي حتى بعد أن تقلصت مساحتها بانفصال جزء عزيز منها، وموارد طبيعية هائلة، والتي لم نتمكن بعد عقود من سوء الإدارة وانعدام الرؤية من استغلالها، هي أنه في ظل منظومة الاقتصاد العالمي الحالية والتي تهيمن عليه الأسواق المالية، وهي حقيقة لن تتغير مهما بح صوتنا بالاحتجاج و الشعارات الثورية، فإن استغلال تلك الموارد لم يعد مخرجاً من الفقر والأزمات الاقتصادية أو طريقاً يُمهّد للتقدم، وإن الشرط المكمل لذلك بجانب توفير البنى التحتية المُكلِّفة جداً وتحويل النمط الاقتصادي من ريعي إلى إنتاجي هو الاستثمار في رأس المال الاجتماعي واستنهاض قدراتنا البشرية غير المحدودة عبر نظام تعليمي في استطاعته أن يعطي الفرصة لراعي الضأن في الخلاء أن يختار بمحض إرادته وخلال بذل كثير من الجهد من أن يصبح مصمماً لخوارزميات وبرامج تدر عليه وعلى بلاده مليارات الدولارات بدلاً عن أن يتحول إلى مرتزق لا تتعدى مقدراته الضغط على  الزناد ليقتل أو يقتل هنا أو في أرض بعيدة لم يسمع بوجودها، إلا حينما وطئها حذاؤه العسكري متوسط الجودة، حتى يتمكن من توفير بضعة ملاليم لأهله حياً أو ميتاً أملاً في إخراجهم من دائرة الفقر المدقع.

إن شكل الدولة المنشودة اليوم في قرننا الواحد والعشرين هو ليس فقط بعيداً جداً عن واقعنا المتمثل في هذه الدولة التي نعيش بين حناياها اليوم، والهشة من كل النواحي، لكن أيضاً بعيد كل البعد من التصورات العامة التي تطغى على  الخطاب السياسي، وربما أيضاً المخيال الجمعي المتجمد في العام 1985م على  أحسن تقدير.

يتبع …

0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *