‫الرئيسية‬ مقالات القرارات الكارثية سببها استسلام الحكومة لنزوات وابتزاز حميدتي
مقالات - 17 أكتوبر 2020

القرارات الكارثية سببها استسلام الحكومة لنزوات وابتزاز حميدتي

تعهَّد الثوار لشهداء الثورة بألا عودة إلى الوراء مهما كانت الصعوبات ولو أطل الجوع الكافر برأسه (الجوع ولا الكيزان), فالسودانيون صبروا على سياسة الإفقار الممنهج سنين عددا، صبر أكسبهم مناعة تحمل المعاناة، وليست الأزمة الاقتصادية هي التي تؤرق السودانيين إنَّما يؤرقهم إشفاقهم على حال حكومتهم التي صبروا وتحملوا الطوي وسياط الجلادين ليشهدوا ميلادها.

السودانيون مشفقون على أمل عبور المرحلة الذي صار حلماً بعيد المنال بفعل بطء إيقاع الحكومة، هذا ما يؤلم الثوار وينعكس سلباً على الشارع، ولا أحد ينكر ضعف بعض أعضاء الحكومة، فأداؤهم لا يشبه عنفوان الثورة، تسبَّبوا في هز صورة الحكومة وإخفاقها في تحقيق مهامها المحصورة في هذه المرحلة، وهي: تصفية نظام الذل من مفاصل الدولة، كما اعترف المخلوع أمام الملأ الذين ساموا الشعب سوء العذاب، وتحقيق العدالة والقصاص للضحايا، وإلغاء قوانين الظلم والتمكين، والعمل الجاد لإصلاح الاقتصاد ورتق النسيج الاجتماعي.

ويدرك السودانيون أنَّ الطريق للتغيير طويل وصعب، وقطعه يتطلب التماس جدية القائمين على أمر الحكومة، ويؤكد أنَّ أهداف ثورتنا تتقدم خطوات للأمام صوب التغيير المنشود، ومتى ما أوفى أعضاء حكومتنا بذلك يجدون الجماهير تتقدمهم وتدعمهم مهما طال المسير في دروب التغيير الوعرة، يصبرون على بطء الأداء والتعثر طالما في نهاية النفق بصيص ضوء.

ومن المؤسف أن حكومة الثورة التي توسم السودانيون في طاقمها خير التغيير، ودعموها بكل ما يملكون، يرونها تتعثر، ولم تقو على إنجاز يذكر من أهداف ميثاق الحرية والتغيير الذي أجمع عليه السودانيون، فدوه بتضحيات، وقدموا دعمهم غير المحدود لمن تحمل مسؤولية تنفيذه، ولكن للأسف هناك أحساس من الجميع بضعف إرادة التغيير عند كادر الحكومة، واستكانت لنفس سياسات النظام المقبور، واعتمدت على بقاياه دون أدنى مسوغ أخلاقي أو فكري أو منطقي، وهذه أخطاء يجب على الجميع معالجتها فوراً.

من الطبيعي أن نشهد موجات جذر ومد في شعبية الحكومة التي نصبت بالدم الغاني لتحقيق الحلم، والجماهير تشاهد وتسمع كل صباح ضعف حكومتها وتقاعسها في تحقيق شعارات الثورة وأهدافها، وبسبب تقاعسها عن إنفاذ المحاسبة والقصاص، حاصرت مؤامرات الفلول خططها الإصلاحية وعرقلتها، وعجز الحكومة أغرى الفلول لأخذ المبادرة لتعميق أزمة البلاد الاقتصادية وتأجيج الفتن القبلية لإجهاض الثورة، ولا يجدي الآن البكاء على اللبن المسكوب، ولا نلوم أعداءنا على مؤامراتهم وانعدام ضميرهم، وسعيهم لإهلاك الحرث والنسل، والفساد في الأرض، إنَّما نلوم من أعطيناهم ثقتنا وحملناهم أمانة تحقيق حلمنا، ودعمناهم كل الدعم، وتعثروا بسبب التقاعس وضعف المخيلة والرضا طوعاً أو كرهاً بالسير في ذات الطريق الذي رفضناه في ديسمبر في غضبة المارد الذي نال إعجاب واحترام كل شعوب العالم.

ما يصيبنا بالحيرة ولا نجد له مبرراً ويصعب فهمه أو هضمه مع التقاعس وضعف بعض أعضاء الحكومة، أنَّ هناك آفة انعدام الشفافية، وندين عدم ظهور مسؤول واحد عبر قنوات الإعلام يطلع الشعب وينوره بالخطط والمعالجات لتردي أحوال البلاد التي تنعكس على المواطن ناراً من جحيم، أهمها زيادة التضخم بنسبة تفوق (200%)، وبالتالي زيادة أسعار السلع الاستراتيجية بذات النسبة، والأزمات القاتلة التي تعاني منها البلاد من انعدام الخبز والمحروقات والكهرباء والماء والمواصلات وكافة الخدمات التي تعذرت معها الحياة، وتداعيات آثارها الاجتماعية المعلومة، أو تعليل الانفلات الأمني، والمصارحة بالمسببات، وكشف التدابير والحلول الناجعة لها, وتعليل سعي الحكومة اتجاه الاعتماد على الإدارة الأهلية ونظارها في الحل، وهي مؤسسات تقوم على أساس الانتماء القبلي، لا تملك أدنى فهم أو تصور لمشروع قومي متكامل للنهضة، فعدم الشفافية والانفراد بالرأي يفاقم تلك الفتن.

بالتأكيد يحزن الثوار وهم يرون الذي (لا يتقن سوى الدواس)، لكنَّه وسط هذا الضعف وغياب الإرادة الحكومية يمثل مفكر الحكومة في (الاقتصاد والسياسة والاستراتيجية والعلاقات الدولية والعلوم والحكم الاتحادي)، وسبحان من فتح عليه بعد معرفته اليتيمة بـ (شؤون إبل الصحراء) للتنظير في كل العلوم، ويصبح بين ليلة وضحاها محور حكومة الثورة، وتظهر عبقرية أفكاره النيرة في لجوء الحكومة للإدارات الأهلية لحل الأزمات بالجودية بعيداً عن حاكمية القانون، وهو درب ودعناه ردحاً من الزمان، أحياه نظام الإنقاذ المشؤوم، اليوم يسعى حميدتي لفرضه أمراً واقعاً (لحاجة في نفس يعقوب)، وتلك حدود عالم حميدتي وحدود معرفته وتجربته.

قضى الرجل جل حياته يلجأ لنظار المناطق التي يحل بها لحل نزاعاته التي كانت لا تتعدى الخلاف حول ملكية حمار أو نعجة، رسخ ذلك في عقله أن حلَّ جميع النزاعات بمنطق ناظر وثلة خفر، يحكم في الناس، ويحتكمون إليه دون قانون مكتوب أو حدود للصلاحية، بدأ مشروعه الذي لا يلام عليه (أقصى معرفته في إدارة المجتمعات)، منذ أيام الاعتصام عندما جمع رجال الإدارة الأهلية في معرض الخرطوم الدولي ليجعل منهم حاضنة سياسية له تعادل كفة قوى الحرية، فشل مشروعه سريعاً، لكنه لم ييأس إطلاقا من فشل خطته، وظلَّ وفياً لمشروعه، يعيد الكرة تلو الكرة لإيمانه بتجربته الشخصية، وحدود علمه وعالمه، لا يتجاوز هذا السقف من التخطيط.

فإذا عذرنا حميدتي على محدودية تفكيره التي بناها على تجارب خبرته وظروفه، فما عذر من نصبناهم حكومة ثورة وقدموا لنا أنفسهم بكفاءات عالمية، لينحدروا إلى عالم حميدتي، وهم على إدراك كامل بتجربة الرجل، وحدود معرفته، وكلهم أفندية لم يقطعوا صحارى ليبيا، ولَم يقفوا بين أيدي ناظر، ليفصل لهم في قضية سرقة عنزة أو نزاع حول جحش؟ أدركنا الآن من أين تأتي قرارات حكومتنا الخاطئة (ليس لها رأس أو قعر)، وتتسبب في تفجير الأوضاع، علمنا أنَّ مصدر القرارات الكارثية التي تتسبب في خنق المواطن والثورة وتشعل الأوضاع دون داع (تعيين والي كسلا وعزله)، وتأزم الوضع، وقس على ذلك اتفاقية جوبا، أزمة الدواء، أزمة الخبز والخدمات.

ومن المبكي أن يصبح ضعف المخيلة وقراءة الواقع والحلول ديدن بعض وزراء الحكومة (وهنا نبرئ حميدتي من دم ابن يعقوب)، من محدودية وانعدام مخيلة كفاءاتنا وعجزهم عن فهم طبيعة وحدود تكاليفهم، وهاكم مثلاً في لقاء تلفزيوني، أنكرت وزيرة الرعاية الاجتماعية وجود مشكلة في عمل وزارتها، وزيرة رعاية اجتماعية في أفقر دولة في التصنيف العالمي، وأدنى مستوى دخل، وأعلى مستوى خط الفقر في دولتها، أكثر من (90%) (حسب الإحصائيات العالمية) من بلادها مزقتها الحروب الأهلية، وخلفت ملايين النازحين واللاجئين في المعسكرات مشردين لم يعملوا على حمايتهم، وبعد هذا كله ترى وزيرة الرعاية أنَّ ليس هناك مشكلة في وزارتها، فأي انعدام مخيلة هذا؟ وعدم إدراك لمهام وظيفتها؟

أو وزير التجارة والصناعة، وهو لعام كامل لا يعرف كيف يتحكم في قنوات توزيع الدقيق ليصل خبزاً للمواطن، وكارثة النائب العام الذي مازال حتى الأمس تمارس نيابته قانون التحلل (فرية النظام المباد مع مدير شرطة البشير الفاسد)، أم وزير المالية السابق الذي يقرر توجيه الدعم الحكومي للمستفيدين دون أن يدرس مدى مسؤولية المستفيد ووعيه لتوجيه الدعم المقدم لأسرته دون خلق مشاكل اجتماعية.

الحديث عن إخفاقات الحكومة وضعفها وتقاعسها واستسلامها لابتزاز حميدتي وضعف مخيلة كادرها وعدم إدراكه لمطلوبات الثورة وأهدافها يدمي القلب ويثير الاشمئزاز والكآبة، وهذا غيض من فيض، والأمثلة كثيرة، لا داعي لاجترار أوجاعها، والمحصلة المؤسفة لا نرى للحكومة عملاً يليق ببهاء ثورتنا ونقاء شهدائها، ووجب علينا جميعاً العمل على تصحيح هذا الوضع المزعج.

الجيد في كل ما ذكرناه، أنَّنا ما زال لدينا الأمل والقدرة على تصحيح مسار الثورة والإصلاح، واستطعنا بتضحياتنا أن نقيم نظاماً يسمع فيه صوت الشارع ورغباته، ونستطيع أن نختار من يقود مسيرتنا بإرادتنا فقط، الملايين التي خرجت للشارع وصدورها مكشوفة للرصاص إيماناً بحلم التغيير، وحققته بأمرها، وأوصدت الباب أمام الردة إلى ما قبل السادس من أبريل 2019، وسحقت أحلام الفلول في العودة للحكم، وأدخلتهم في جحر ضب، وانتزعت حقها الإنساني والقانوني في اختيار من يحكمها، فمن شاء تحمل الأمانة فليعمل بكفاءة وقوة لتحقيق أهداف الثورة، ومن تقاعس لضعف أو عدم كفاءة ولَم يصدق وعده بتنفيذ أهداف ثورتنا نتجاوزه، ويذهب هو ويبقى الوطن وتبقى الثورة، فلا أحد كبير على الشعب وأحلامه.

 

0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *