‫الرئيسية‬ مقالات السودان.. تطاول الأزمات وتقاصر الهامات
مقالات - 16 أكتوبر 2020

السودان.. تطاول الأزمات وتقاصر الهامات

 د. ناصر أبوطه
الناظر لحال السودان اليوم يلاحظ بوضوح حالة التوهان الجماعي للسودانيين حكاماً ومحكومين وحالة القطيعة الفكرية وعدم اليقين تجاه الوطن وثورته العظيمة إلى درجة أن الذاكرة المجتمعية وصلت إلى مرحلة من الضبابية تجاه شعارات الثورة الخالدة (حرية، سلام، عدالة). بل بدأ البعض يعود بذاكرته لفترة ما قبل الثورة – بكل ما فيها من سوءات – ويعقد المقارنات بينها وبين الواقع الحالي.
يبدو أن هذا الواقع يحتاج إلى تفكيك، وهنا لا بد من الفصل بين الأزمات المعيشية وما بين الأزمات التي تواجه المجتمع في بنيته الأخلاقية، ومن ثم محاولة إيجاد الحلول والمخارج التي تضعنا كشعب في طريق الإصلاح والتحول الاجتماعي والسياسي وصولاً إلى دولة الرفاهية التي ننشد.
في ما يتعلق بالأزمات المعيشية (الخبز، المواصلات، الغاز، الوقود…) وبالرجوع إلى بدايات الحراك الثوري في نهاية العام 2018، نلاحظ أن هذه الأزمات كانت محفزاً للحراك والثورة، وإن كانت في تقدير الكثير من السودانيين أنها ليست السبب الرئيس للثورة، وأنا أتفق معهم في ذلك بالنظر إلى الشعارات التي رفعتها الثورة.
خلال العام الأول من عمر حكومة الثورة تطاولت الأزمات الحياتية واستفحلت بصورة كبيرة في ظل بطء في التعامل الحكومي معها. وبصرف النظر عن الأسباب الحقيقية لتلك الأزمات والمتعلقة بضعف الجهاز الإداري والرقابي الحكومي والاختلالات الهيكلية الموروثة من النظام السابق وضعف الموارد المالية وما تمر به البلاد من عفوبات خارجية نتاج سياسات نظام الإنقاذ، لا بد من التوقف عند هذه الأزمات وتحليل الأسباب السابقة ووضع الحلول الآنية والاستراتيجية، وهذا الدور يجب أن يقوم به الجهاز التنفيذي، لأنه هو الذي يضع السياسات ويتخذ القرارات في جانب، ويمتلك أدوات الرقابة وتطبيق القانون في الجانب الآخر.
وبجانب الدور الحكومي هناك دور مجتمعي مساند يتعلق بالرقابة والترشيد ومحاربة بعض الظواهر السالبة التي أنتجت الأزمات أولاً، وساعدت على استفحالها ثانياً، وأول تلك الظواهر هي محاولة التكسب السريع من الأزمات سواء أكان ذلك من قبل أصحاب السلع والخدمات أو من قبل المستهلكين.
وثمة نقطة مهمة تتعلق بالأزمات المعيشية هي اختلاف تعاطي أفراد المجتمع مع الأزمات والصبر عليها، وهذا يرتبط بدرجة الوعي السياسي لأفراد المجتمع، ومع تأكيدنا الأهداف التي ثار الشعب من أجلها، لكن هناك مجموعات كبيرة من أفراد المجتمع تتناقص درجة احتمالها للأزمات بتطاول أمدها، وهنا تكمن الخطورة، وقد ينتهي الأمر بالخروج على حكومة الثورة، وهذا ما يخدم أجندات كثيرة منها ما هو داخلي (فلول النظام السابق)، ومنها ما هو خارجي (المحاور الخارجية)، وقد تلتقي الأجندات الداخلية والخارجية الشي الذي يهدد الثورة ككل.
بالنسبه للأزمات الأخلاقية ورغماً عن أن ثورة ديسمبر 2018 أخرجت أجمل ما في الشعب من صفات (التكاتف، التسامح، الكرم، نبذ العنصرية، الأقدام،..)، لكن ما حدث بعد الثورة إبان تشكيل الحكومة الانتقالية وخلال عامها الأول، أظهر كثير من الصفات السيئة، فكانت البداية أزمة تشكيل الحكومة، وما حدث فيها من تداعيات على شركاء التغيير والانقسامات الحادة التي ظهرت إلى درجة أن أصبح مصير العملية الانتقالية كلها عرضة للانهيار. و في تقديري أن الخطأ التاريخي الثاني الذي وقعت فيه قوى الثورة هو فرية عدم مشاركة قادة الثورة في الحكومة الانتقالية (الخطأ الأول هو مفاوضة العسكر بعد سقوط ابنعوف). اعتقد جازماً أن ما حدث تكتيك سياسي قصد منه إبعاد قادة الحراك الثوري أو نجوم الثورة (تجمع المهنيين) من قيادة الفترة الانتقالية. وكان البديل مجموعة افتقدت الزخم الثوري بجانب افتقادها للكفاءة المهنية، وها هي النتائج ماثلة أمامنا.
وفي جانب المجتمع خاصة في الميديا ومواقع التواصل الاجتماعي ظهرت سلوكيات غريبة لا تشبه قيم الثورة ولا قيم المجتمع السوداني، فشهدنا الحملات الاسفيرية المنظمة لاغتيال الشخصيات أخلاقياً وسياسياً، ورأينا موجات التشكيك والتخوين وتوزيع صكوك الوطنية حتى من قبل شركاء الثورة، وكذلك الكم الهائل من الأخبار الكاذبة والمفبركة، وكلها كانت تصب في خانة عرقلة جهود الحكومة الانتقالية ومكونات الثورة في طريق الانتقال إلى دولة الحرية والعدالة. وغير بعيد عن تلك الحملات ظهور النعرات العنصرية ومحاولات تأليب بعض فئات المجتمع تجاه المكونات الأخرى ممعنين بذلك في ضرب النسيج الاجتماعي الذي بدأ في بداية عهد الإنقاذ المشؤوم. وتلك الموجات العنصرية تزايدت مع توقيع اتفاق السلام بين الحكومة وحركات الكفاح المسلح فإنبرت مجموعات على الاسافير مع او ضد الاتفاق مستخدمة في ذلك خطاب عنصري بغيض ومحاولة استخدام قضية المركز والهامش، فالرافضين للاتفاق يرون أنه عطاء من لا يملك لمن لا يستحق. والذين مع الاتفاق – وهم الغالبية – يرون أن أي تكلفة سياسية أو اقتصادية لا تساوي شيئاً مقابل تكلفة الحرب. وأنا مع الوجهة الثانية وهي أن قضية السلام قضية محورية ودونها لن تكتمل عملية الانتقال ولن تتحقق شعارات الثورة.
إذا تناولنا إدارة الدولة بصورة عامة وإدارتها للأزمات التي تطرقنا لها فأقل ما يوصف الأمر بأن الحكومة الانتقالية بكل مكوناتها لم تنجح في إدارة الملفات الحساسة المتعلقة بالأزمات المعيشية، ولم تنجح في إدارة ملف الأمن ولم تستفد من الزخم الثوري والقبول الشعبي الذي حظيت به طوال العام الأول من تشكيلها. وفي تقديري أن ذلك يعود بصورة أساسية لغياب الرؤية الكلية لإدارة الدولة، وهنا يمكن الإشارة للحاضنة السياسية (الحرية والتغيير) التي عجزت منذ البداية من إيجاد التوليفة المناسبة لجهاز الدولة خاصة شاغلي المناصب القيادية (الوزراء). وبعد ذلك فشلت في تقديم برنامج عمل واضح للحكومة، وهذا الأمر أشار له السيد رئيس الوزراء في بداية عمل الحكومة، بل في كثير من الأحيان أصبح التشاكس هو السمة المميزة للعلاقة بين الحرية والتغيير وحكومتها التنفيذية، ويظهر ذلك بصورة واضحة في الملف الاقتصادي (رفع الدعم مثلاً).
وغير بعيد عن ذلك حالة الارتباك التي وسمت العلاقة بين المدنيين والعساكر شركاء الفترة الانتقالية أو ما أطلق عليه البعض (توازن الضعف)، ومحاولة كل طرف إلقاء اللوم على الطرف الآخر، فكان الفشل من نصيب الجميع عسكر ومدنيين في ملفاتهما المختلفة خاصة الملفين الأمني والاقتصادي. وحتى موضوع السلام الذي تم التوصل فيه إلى اتفاق بعد مفاوضات طويلة شهدت بداياته تسابق الطرفين للإمساك بهذا الملف.
وهناك أيضاً ملف العلاقات الخارجية الذي شهد حالات من الشد والجذب والتعديات على الاختصاصات والمهام الخارجية، وهذا الأمر يظهر بصورة واضحة في ملف التطبيع مع إسرائيل ومحاولات ربط هذا الملف برفع السودان من لائحة الإرهاب الأمريكية، هنا شهدنا محاولة مجلس السيادة (العسكر) خطف هذا الملف ومحاولة وضع المدنيين أمام الأمر الواقع وصار هذا الأمر رهيناً بعلاقات الطرفين والكسب السياسي بعيداً عن مصالح الوطن.

الآن وفي ظل حالة التوهان التي ذكرناها في البداية وفي ظل حالة الإحباط المجتمعي خاصة بين المجموعات التي أنجزت الثورة، كيف يمكن معالجة الأزمات الحالية في كل مستوياتها أزمة إدارة الدولة وأزمة الشراكة وأزمة الاقتصاد وأزمة تطبيق اتفاق السلام وأزمة التطبيع مع إسرائيل. وهل يمكن للمجموعة الموجودة الآن على رأس الفترة الانتقالية أن تضطلع بمهامها في إدارة الأزمات المختلفة بمساعدة الشعب أم سيتواصل العجز ويطول أكثر، وبالتالي زيادة حالات الإحباط المجتمعي إلى درجة الترحيب بمحاولات الانقضاض على الثورة وأحلام السيد رئيس مجلس السيادة الذي ينتظر تفويض الشعب (سينتظر طويلاً) أم أن هناك طريقا ثالثاً بين الاثنين؟

قبل الختام يبدو أن ثورة ديسمبر 2018 المجيدة أحدثت تغييراً حقيقياً في مفاهيم الشعب السوداني ورفعت درجة الوعي السياسي والوعي بالمخاطر التي تهدد الدولة السودانية، وفي مقدمتها محاولات العسكر، ومن يقف خلفهم من أجهزة مخابرات ودول وتماهي بعض المكونات السياسية مع هذه التحركات.
أخيراً نؤكد أن نار الثورة لا زالت مشتعلة وستحرق كل من يحاول النيل منها وليحمل كل سوداني شعلة يقودها من نار الثورة ويضيء ما حوله، وهنا تخضرني مقولة شخص عزيز على قلبي.. أي واحد يلز في محله.

6+

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *