‫الرئيسية‬ مقالات أيُّ تغيير… ؟ (3/3)
مقالات - 17 أكتوبر 2020

أيُّ تغيير… ؟ (3/3)

بعد عقود من العُزلة داخل أسوار دولة المشروع الحضاري العالية، والذي لا يمت – أي المشروع – لا إلى الحضارة ولا إلى الإنسانية بصلة، قد نجد العذر للبعض في عدم استيعابهم حقائق واقعنا المعقد الصعب، بالتحديد تلك المتعلقة بمعطيات المجتمع الدولي الجديدة ومعايير تصميم مقاربات صحيحة ومجدية ومعاصرة لعلاقاتنا السياسية، الاقتصادية والاجتماعية مع العالم الخارجي، إنْ صحّ التعبير، كما أنَّ التمترس خلف الرؤى السحرية المتكلّسة التي أثبت التاريخ خطورتها وعدم جدواها قد يكون عذراً أيضاً للبعض الآخر الذي يجد صعوبة بالغة في تقبُّل ما وصلت إليه الإنسانية من نظام حكم فعال، لا هو رأسمالي ولا اشتراكي ولا مثالي أيضاً، عدا عن كونه في حاجة مستمرة إلى جهد كبير لتطويره؛ حتى يتمكن من مجابهة التحديات الكونية الجديدة التي ذكرنا طائفة منها في المقال السابق، لكنه على أقل تقدير يمكن أنْ تنطبق عليه مقولة رئيس الوزراء البريطاني السابق (ونستن تشرشل) حين سُئل عن جدوى نظام الحكم الديموقراطي فأجاب بأنّه “أسوأ أشكال الحكم – باستثناء كل الأشكال الأخرى التي تم تجربتها من قبل”، لكن ما أجد صعوبة قصوى في فهمه هو ذلك النكران العنيد لحقائق الواقع الداخلي الحالي، ولا أجد له تفسيراً؛ لأنّ ذلك بالتأكيد يفوق قدراتي على التحليل النفسي، وربما يحتاج الأمر إلى تشخيص طبي معمّق، لكن ما سأحاول القيام به في هذا الجزء الثالث والأخير من المقال المعنون (أي تغيير…؟) هو وصف الحقيقة الأساسية الثالثة والمتمثلة في واقعنا الداخلي كما هي، علّ ذلك يوقظ البعض من سباتهم السحري، ويدفع آخرين نحو اجتراح حلول تتخطى انتظار تحقق المعجزات غداً صباحاً.
العنصر الأول و الأهم من واقعنا الحزين هو السياسي دون أدنى شك، فمن جانب “فإن جل” أزماتنا الاقتصادية والاجتماعية لها مسببات ذات جذور سياسية، ومن الجانب الآخر فإنّ الوضع الحالي هو إرث متراكم من انعدام الرؤية وسوء الإدارة لدى الرواد من نخبنا الذين، كعديد النخب الأفريقية والعربية ما بعد الاستقلال، فوجئوا بحقيقة أنّهم ممسكون بدفة حكم دولة وليدة، وأنّهم مسؤولون من تحديد هويتها ومستقبلها و الإجابة عن تطلعات وطموحات شعب يحلم بحياة كريمة ومستقبل أفضل، ويمتلك الحق كذلك في التعبير عن إرادته عبر صناديق الانتخابات. لكن ولأسباب موضوعية تتعلق بمحدودية البنى التحتية ودرجة كفاءة الموارد البشرية التي خلفها المستعمر لخدمة أهدافه العملية وبنية الدولة المركزية التي سيطرت على الأطراف عبر زعماء الطوائف والقبائل متخذة الطريق المختصر للمقاربة الزبائنية المحمية بقوة نار الجيش في المركز، وأسباب ذاتية تتعلق بهامش خيال عقلية الأفندي الحضرية الإسلاموعروبية، لم تستطع الأحزاب السياسية؛ وهي الأساس لعملية انتقال الدولة إلى دولة ناجحة في إطار ديموقراطي، من النمو بصورة طبيعية ونتج عن ضعفها هذا لجوء أهم قادتها إلى أحضان الطائفية الدينية التقليدية للوصول إلى قواعد شعبية ذات ثقل انتخابي، ولاحقاً وأمام عظم التحديات دفعت نفس هذه الأحزاب الجيش، وهو الكيان الأحدث والأكثر تنظيماً، حينها؛ ليملأ الفراغ، ويمسك بزمام السلطة عبر الانقلابات العسكرية، حدث ذلك سراً أحياناً وعلانية في غالب الأحايين، لتحقيق أجندات سياسية مؤقتة كما فعل الاميرالاي عبدالله بك خليل بمباركة السيدين عام 1958م أو لفرض رؤى ثورية أحادية (سحرية)، كما فعل كل من الحزب الشيوعي والحركة الإسلاموية في عامي 1969م و 1989م.
ومع تطاول آماد حكم الجيش متحالفاً مع الأحزاب، و بالأخص الراديكالية منها، والذي بلغ 82% من عمر الدولة الوليدة، وخلو تاريخه من أي عمل عسكري في مواجهة أي دولة أجنبيه قد يضعف أو يشل بصورة حاسمة قدراته القتالية واقتصار نشاطه على الحروب الأهلية/الداخلية، تحول بالتدريج إلى أكبر كيان سياسي في الساحة، وصارت عقيدته المتوارثة هي السعي للسلطة عبر الانقلاب على الدستور من أجل تنفيذ مشروع معلن في البداية، يتقازم بالتدريج مع مرور الوقت إلى أن يقتصر فقط على استمرار قادة الانقلابات المحاطين بالانتهازيين المسيطرين على مركز الفعل السياسي والاقتصادي، كما هو الحال في غالب فترات حكم العسكر.
كما أدى سوء إدارة التنوع بل العمل بنشاط كبير، بوعي وبغير وعي، على تمزيق النسيج الاجتماعي الهش أصلاً، والقابل للانفجار الكامل في أي لحظة، وتفضيل الحلول الأمنية على غيرها إلى بروز قوى مسلحة موازية، بعضها ناضل ضد النظام وقاتل لإسقاطه، والآخر لصالحه مدافعاً عنه، حيث أصاب عدد منها النجاح ليتضخم دورها تبعاً لذلك ويتخطى خانة العمل المليشيوي المسلح غير المنظم إلى العمل شبه المؤسسي محافظاً بذلك على توازن الرعب اللازم لاستمرار النظام، ومضيفاً كذلك دوراً جديداً كأحد مصادر تمويله عبر المساهمة في نشاطات هي أقرب لارتزاق الدولة منها إلى الواجبات المنصوص عليها في الدساتير المتعارف عليها.
وفي المقابل خرجت الأحزاب السياسية من محنة حكم الإنقاذ منهكة وهي في أضعف حالاتها، فغالبها لا تلتزم بالسلوك والمعايير الديموقراطية داخل هياكلها؛ في تناقض صارخ مع ما تصدح به خارجها، وبعضها ما زال متكلساً في رؤى وأنماط سلوك سياسي مؤذٍ و غير بنّاء، عفى عليه الزمن، وكلها تقريباً ودون استثناء لا تحظى بثقة قطاعات واسعة جداً من الشارع، وهو محصلة طبيعية لمزيج ترسخ الخطاب المشكك في جدوى الديموقراطية التعددية، الذي زرعته بما يشبه كثيراً غسيل الأدمغة، الحكومات الديكتاتورية المتوالية لعقود، محدثة تأكلاً شبه كامل لثقافة سياسية ضعيفة في الأصل لم تنجح يوماً في الوصول إلى مرحلة ترسيخ القيم الديموقراطية وتفعيل أسس الحوار المجتمعي العميق الهادئ، هذا بجانب تواضع التجارب الديموقراطية السابقة الراجع إلى قصرها الزماني البالغ الذي لم يسمح بإكمال عمليات الإحلال والإبدال السليمة المعبرة عن الإرادة الشعبية الحقيقية، بالإضافة إلى تواضع طموحات عين النخب السياسية التي لم يتزحزح بعضها من مواقعه الحزبية القيادية التاريخية منذ مطلع الستينيات من القرن الماضي.
يأتي ليكمل المشهد المأساوي اضمحلال ودمار مؤسسات الدولة المتمثلة في الخدمة المدنية والقطاع العام، الذي تم تفريغ معظمها من صلاحياته وموارده البشرية المؤهلة ليعاد تصميمها وتوجيه طاقاتها لتنسجم مع فقه شراء الولاءات ومأسسة الفساد.
متقاطعاً مع كل ما ذكر آنفاً من مستويات الفشل المتعددة، ورغم أن السودان بما يمتلكه من موارد ضخمة كان بإمكانه في ظل التخطيط الصحيح والقرارات الصائبة والبيئة السياسية المستقرة أن يصبح إحدى القوى الاقتصادية الرئيسة، ليس في القارة الأفريقية فقط، بل في العالم، لكننا اليوم أمام اقتصاد يواجه أزمة عميقة من عدم الاستقرار والتشوه الهيكلي والبنيوي، وهو ما يعني أن الخطوة الأولى تبقى العمل على استقراره أولاً والسيطرة على التضخم وإيقاف السقوط الحر لقيمة الجنيه قبل القيام بأي من التغييرات العميقة اللازمة لإعادة بنائه وفق رؤية تضمن تنمية متوازنة مستدامة وتمهد طريقاً ممكناً نحو التقدم والرفاهية.
اعتذر للقارئ الذي مكنه رصيده من الصبر من الاطلاع على كامل العرض المأساوي المفصل السابق والمقصود منه تبيان مدى تعقيد وتدهور وخطورة الواقع الداخلي اليوم، وإثبات أنَّ التغيير لا يمكن أنْ يحدث بين ليلة وضحاها كما يروج له أصحاب الرؤى السحرية، مسلحين بمقدرة إقناع إضافية مستمدة من أخطاء حكومة التكنوقراط الحالية الفادحة وضعفها البيّن، والذين ظلوا يعملون بكل همة لابتزاز الجمهور عاطفياً وتهييجه بديماغوجية فجة ودفعه نحو تعجل النتائج دون أي خطط أو طرح بدائل حقيقية، وهو ما قد يوصل السودان إلى حيث تتحقق كل كوابيس الفاجعة الكبرى التي لا رجعة منها أبداً، وبالمقابل فإن كان هناك أي أمل في الوصول إلى التغيير الحقيقي العميق، فأنه لن يأتي إلا عبر عملية تدريجية بطيئة، طويلة وشاقة، تتطلب الكثير من الصبر والشجاعة وتبدأ بدلاً من دفن الرؤوس في الرمال، بمواجهة بالحقائق المريرة والاعتراف بكل المعنيين بالتغيير على الساحة وقياس حجم تأثيرهم الحقيقي (وليس المرغوب فيه)، ومخاطبة طموحاتهم ومخاوفهم وتقديم مشروع يحقق الحد الأدنى من مصلحة الجميع وكل مصلحة الوطن، وهو ما يفرض توافقاً بين طيف واسع من هؤلاء المعنيين أو على الأقل كتلة حرجة منهم، لديها قناعة تامة بأن كل الأطراف اليوم في حالة إنهاك قصوى وباستحالة استئثار جهة واحدة بالحكم أو قدرتها علي إدارة المرحلة المقبلة منفردة، ولديها كذلك ما يتطلبه الأمر لفرض الحلول عبر الوسائل السلمية والآليات الديموقراطية المتاحة، وهي حلول مرتكزة في الأصل على رؤية واقعية وبعيدة المدى للانتقال الديموقراطي الفعلي تتخطى الفترة الانتقالية وتتجاوز تكرار نمط التغيير السطحي المتعجل المجرب في عامي 1985م و1964م، الذي أثبت فشله المحقق، وبالطبع تتجاوز أحلام الرؤى السحرية الوردية المدمرة.
انتهى

0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *