الكاتب/ عبدالرازق أنقابو
‫الرئيسية‬ مقالات يا ساتر من العدس بالتوم .. بنت سودة في الخرطوم!
مقالات - 18 أكتوبر 2020

يا ساتر من العدس بالتوم .. بنت سودة في الخرطوم!

*الكاتب/ عبدالرازق أنقابو

توقيت زيارة مدعية المحكمة الجنائية فاتو بن سودة للخرطوم بعد توقيع سلام جوبا، له من الدلالة والتنسيق، ما يضفي على الزيارة الطابع التضامني، بل والإجرائي ضد المطلوبين لدي هذه المحكمة!

الوصف الجاري، بأن سلام جوبا هو انتصار لأهل الهامش (الضحايا) ضد أهل المركز (الظلمة) – والمعبر عنه بتلك الاحتفالات، يعطي أقوى المؤشرات لدى مراقبي حقوق الإنسان والجهات العدلية الدولية، بأنه قد حان الأوان لتأخذ تلك العدالة مجراها، ضد كل من أجرم بحق أهل الهامش في دارفور او في غيرها من بقاع السودان!

لا أعتقد أن الأمر لفظاعة حدوثة، من قتل لعشرات الآلاف من المدنيين العزل، وتشريد وتهجير للملايين مثلهم داخل الوطن وخارجه، يقبل موقفاً ثالثاً للمداهنة والمساومة! وهي إما أن نكون مع العدالة ولتأخذ مجراها بحياد تام، إما نقف ضدها ونعيق عملها كما بدا واضحاً من تصريح سعادة الفريق أول البرهان رئيس مجلس السيادة الذي قضى (من عند نفسه) بعدم تسليم أي أحد من المطلوبين لمحكمة الجنايات الدولية!

ها هي اليوم، تبلغ المدعية العامة للمحكمة الجنائية الخرطوم، في يوم يراه البعض سعداً ويراه غيرهم يوم نحس وشؤم! وتأتي المدعية ونحن بتلك الحال، بين مصدق ومكذب، في موقفين لا ثالث بينهما، إما أن نحسم الأمر ونأتي لها بطوعنا مسلمين كما فعلها بتجرد المطلوب علي كوشيب، وإما أننا ”نتسردب” ونقول: (ما بنسلم حد)، كما قالها البرهان من قبل، إيماناً والتزاماً بمقولة: (كديس ما بنسلمه لحد)! صحيح إن خبر وصول بنت سودة للخرطوم سيصل أسماع المعنيين بجرائم الحرب في دارفور، منهم من هم بالسجون ومن من هم خارجها يترقبون.. لا نشمت لحالهم، ولكن نصيحتي لهم أن يتشجعوا ويحذوا حذو علي كوشيب بتسليم أنفسهم طواعية لمحكمة العدل الدولية! فهذا الرجل إن سألنا بنت سودة عن ملابسات تسليمه نفسه للاهاي، حتماً ستقول العجب العجاب.. ما يمرض الأسياد ويحزن الرفاق! لكنها لن تصرح أو تجيب سائليها لمقتضيات التحقيق عن كيفية تسليم كوشيب نفسه، بقدر ما أنه بتسليم نفسه، بقراءة صحيحة لما يدور حوله، قد تفادي مصير أبوبكر البغدادي، الذي فات عليه أن يدرك، بأنه كان مجرد آلة قاتلت وقتلت بيد من استخدمها بعد انتهاء المهمة، التي لأجلها صنع!

إذن، ماذا يعني ذهاب مطلوبي جرائم دارفور للاهاي بتسليم أنفسهم طوعاً أو قبضاً عليهم بالقوة؟ إن لذلك رمزية عند أهل الضحايا أن يروا أعداءهم مكبلين بالأصفاد حتى لاهاي، وإهانة بالغة للمطلوبين وهم يغادرون الخرطوم بمياه نيلها العذبة! عليه، فإن مسألة تسليم مطلوبي الجنائية الدولية، هي مسألة جوهرية في اتفاق سلام جوبا، وإن السواد الأعظم من أهل الهامش ينتظرون تحقيق العدالة بالبقض والتسليم لكافة مطلوبي جرائم دارفور وغيرها من أحداث مشابهة بالبلاد. ويبقى أن اتخاذ أي موقف مهادنة او مساومة ثالث للتوصل الي تسوية بالخرطوم، سيؤدي حتما إلى ما لا يحمد عقباه – من اضطراب وحتى إلى فشل اتفاقية سلام جوبا ذاتها! هذا الموقف الثالث، ان وصلت المدعية اليوم للخرطوم ولوحت بإجراء العدالة عليه، فإن ذلك سيكون كارثة على مصداقية محكمة الجنايات الدولية بل ويفتح الباب عريضاً للتكهن بأن فعلاً بنت سودة قد توصلت لتفاهمات مع النظام البائد من قبل سقوطه، بطي ملف جرائم دارفور بحدود العاصمة الخرطوم!

على ذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه، هو حول مدى طبيعة الزيارة التاريخية لمدعية محكمة الجنائية الدولية للخرطوم اليوم! وبما أن هذه الزيارة محكومة مسبقا بما جاء عن ملف العدالة باتفاقية سلام جوبا، ومحكومة كذلك بتلك الأجواء المشحونة بالتفاؤل بقرب أخذ العدالة مجراها بحق أولئك المطلوبين للاهاي، إلا أنه في حال تبين من أن هناك طريق ثالث، للالتفاف حول ما تضمنه سلام جوبا بشأن مطلوبي لاهاي، فإن ذلك يعد نكسة، بل ويعكس عن احتمالية الصبغة السياسية أو ما هو دونها لزيارة بنت سودة للخرطوم، وهذا ما نخشى ونخشاه، والسلام!!

________________________________________________________________

*عبدالرازق أنقابو :موظف سابق بالأمم المتحدة

0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *