‫الرئيسية‬ مقالات مشاعري كسودانية (شتات) تجاه الثورة السودانية
مقالات - 3 يوليو 2020

مشاعري كسودانية (شتات) تجاه الثورة السودانية

نون الوليد فضل

كشخص ولد خارج السودان وعاش في ثلاث دول مختلفة، كنت دائماً أصارع مشاعر الانفصال والانتماء. وكشخص في الشتات، شعرت دائماً وكأنني أعيش بين عالمين، وأحياناً حتى ثلاثة. ومع ذلك، هناك مكان شعرت به دائماً أنه بلدي (السودان)، على الرغم من العيش فيه لـ (3) سنوات فقط.

بغض النظر عن البلد الذي كنا نقيم فيه، كان منزلنا منزلاً سودانياً بالكامل، قام والداي بعمل مدهش في تعريفنا بالثقافة السودانية وتذكيرنا من نحن حقاً. أشعر أيضاً أنَّ كل والد سوداني نشأ في السودان وغادر البلاد في نهاية المطاف لديه شعور بالمسؤولية عن تنوير أطفاله حول جميع جوانب السودان الجيدة والسيئة.

وجودي في النرويج كسودانية مثل تحدياً بالنسبة لي، خاصة أنَّ السودانيين قليلون هنا في مدينتي (بيرقن)، لذا فإنَّ فكرة شخص أسود يتحدث العربية غريبة لمعظم النرويجيين. وكفتاة أبلغ من العمر (9) سنوات، كنت أجاهد دائماً لمحاربة هاتين الهويتين.

كان هذا النضال أساساً لأنَّ الناس في النرويج يشيرون باستمرار إلى جانبي «العربي» تارة وجانبي «الأفريقي» تارة أخرى، ويمازجون بينهما، لذلك، طالما شعرت أنَّني غريبة خاصةً لكوني سودانية. ومع ذلك، مع تعليم والديّ لي بعض الأشياء الرائعة عن السودان، أدركت بسرعة تفرد هذه الهوية المعقدة والملونة.

خلال الثورة، تم تعزيز هذا الشعور بإحساس كبير بالفخر، خاطبتنا الثورة نحن في الشتات بعدة طرق مختلفة، كانت الرسالة الرئيسية هي إسقاط الديكتاتورية الطويلة للحكام الفاسدين في السودان.

من جانب آخر، كان رفع أصوات النساء ملهماً لي كفتاة، إحدى الرسائل التي نقلتها إلينا الثورة هي إظهار صراع الهوية المشترك بين العديد من السودانيين، خاصة السودانيين في الشتات.

الهتاف للعالم بأننا “أفارقة”، “نحن سودانيون”، صاغ لي “كيف أعتز بأنَّني سودانية”، تعلمت كيف تم طرح هويتنا العربية مع تغليبها سياسياً وثقافياً، وكيف تم تجاهل هويتنا الأفريقية، لكنها كانت دائماً تنفذ عبر تفاعلنا ثقافياً، (انعكس هذا أيضاً في حياتي هنا). هذه الثورة لم تشعل شعوري بالفخر فحسب، بل ساعدتني أيضاً في التنقل في هويتي السودانية والتعرف عليها.

إنَّ رؤية المرأة في السودان تتولى قيادة هذه الثورة تبحر في مشاعري كامرأة سودانية، طوال حياتي في النرويج، رأيت باستمرار الطريقة التي تم بها تقليل قيمة النساء السوداوات، لم أرهن أبداً ممثلات في مناصب السلطة كما حدث أثناء هذه الثورة.

نفس المرأة التي حاول الغرب إسكاتها، وكانت القيمة الدنيا، الآن تقف على رؤوس السيارات وهي تهتف وتقاتل من أجل اسماع صوتها “صوت المرأة ثورة”. كان هذا ملهماً حقًا، ولكنَّه أجج مشاعري نسبةً لبعدي عن السودان.

بالنسبة للشباب البالغين مثلي الذين يعيشون خارج السودان، تعلمنا بسرعة عن النضال والمعاناة من آبائنا. من المؤسف أن النضال والمشقة جزء من الهوية السودانية، وهو أمر يفتقر إليه أبناء الشتات، يمكننا أن نتعلم العديد من الحقائق حول البلد الذي نحلم به، ولكن لا يمكننا أبداً التعرف حقاً على تجربة ومصاعب العيش في هذا البلد. لهذا السبب لم أعتبر نفسي قط “كنداكة”، لأنَّ ما رأيته، أعنى بذلك “المخاطرة بالحياة للاحتجاج على الحكومة والتي لم أعان منها أبداً”. ومع ذلك أيضاً عبرت هذه الثورة – رقمياً – إلينا في الشتات.

لذا، فقد ألهمنا اللقب ” كنداكة ” في كثير من النواحي، حيث استمررْنا أنا والكثيرون مثلي في التمرد على المستوى الدولي، وفي الأوقات التي كان السودان فيها مغلقاً، لكنَّني سريعاً أذكّر نفسي بامتيازي، واستخدم اللقب “كنداكة” بعناية ودقة فيما يتعلق بالمرأة السودانية في الشتات.

ومع ذلك، أتمنى أن أفهم تجربة المرأة السودانية حتى أستطيع بكلّ فخر وبكل ثقة أن أسمي نفسي “كنداكة”.

بعد الثورة، التي يمكن للمرء أن يقول “إنَّها لا تزال مستمرة اليوم”، شعرت بشعور أقوى بالمسؤولية تجاه بلدي. أدركت أنَّ هذه المعركة لا تتعلق فقط بإزالة الفساد، ولكن أيضاً بتغيير المفاهيم والقيم.

السودان بلدي وكما تم عرضه (من الحكومة السابقة) بصورة زائفة، وبدائية من نواح كثيرة، وكذلك معنى الديموقراطية والحرية، لذلك أعتقد أنَّه من مسؤولية السودانيين في الشتات أن يؤدوا دوراً كبيراً في إظهار ذلك بالضبط.

لدينا امتياز بأنَّنا عشنا ودرسنا وتشربنا الديموقراطية الحقيقية، ومن مسؤوليتنا مشاركة ذلك. لكن يجب علينا أن نكون مستعدين للتنازل عن بعض امتيازاتنا في الغرب، لنكون جزءاً من بناء السودان في بلد يمنح الجيل القادم نفس الحرية التي نشأنا عليها.

نحتاج أن نستثمر بشكل جماعي في بلد كلنا ننمو فيه بسهولة. مع كل هذا، يمكنني أن أقول إنَّ هذه الثورة جعلتني أكثر ارتباطاً بالسودان، وزادت وعيي بموقفي.

 

 

0

9 تعليقات

  1. ما شاء الله
    ابدعت في وصف الشتات والمعركة بين الانتماء للوطن واقعا وحساً داخل المهاجرين ومعركة الهوية في السودان وانتقال عدواها لاهل الشتات
    احييك في انتماءك للسودان رغم الظروف التي فرضت عليك العيش خارجه ومن خلالك احي دكتور وليد فضل في تنمية هذا الحس الوطني الوارف في دواخلك ، انت كنداكة السودان في النرويج

    0
  2. ما شاء الله ما شاء الله كلام جميل من بنت اختي حتي قبل لحظات كنت قايل نون مسطحه شديد عن السودان زي كتير من اولاد المغتربين
    ماشاء الله نون والي الامام

    0
  3. يا سلام عليك يا بوني يا زينة بنات آل فضل ناصر دايما فخورين بيك ورافعه راسنا
    هذا الشبل من ذاك الاسد

    0
  4. ما شاء الله ربنا يحفظك يا نون واختك نورهانم ويحفظ اخوانك فضل ومحمد وووالديك ندى سليمان ووليد فضل. تعجز الكلمات عن وصف الوعي والادراك الذي بالتاكيد تشبعتي بهم من المحيط الاسري وحرص والديك على زرع حب الوطن. نعم حفظكم الله يا كنداكات السودان وجعل الله على يديكم السودان بلد جميل يسع للجميع.

    0
  5. انتي كنداكة وبابا متأصل في الثورة وماما كمان من ما عرفناها ماشاء الله قدوة
    وفضل و محمد كمان ونورهان
    ربنا يحفظكم
    كلام جميل معبر
    وصف دقيق
    بكل فخر لقب كنداكة ليك
    ولي مامابكل اعتزاز

    0
  6. Hey Booni dearest
    Thanks for sharing your thoughts. Beautifully articulated. Indeed! It is complicated being physically detached from our country, yet feeling a deep sense of belonging to it. And for you, having lived most of your young life away from it, I can only imagine the added complexities. I love the idea that we need to give up some of our privilege to be able to serve our country. However, I also sometimes feel unqualified to serve in a context that I have been a that I have been absent from for so long. And getting to a stage in Sudan, where we may enjoy the same freedoms offered to us in our countries of residence is also not easily achievable.

    But all that aside, I take pride in you and all young, bright, intelligent Sudanese in Sudan and elsewhere. It is people like you who will help us navigate these complexities. I am so proud of you and I love you dearly. Mama Amira

    0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *